تحول رقمي في التعليم أم تعليم في عصر التحول الرقمي؟ [2] | بقلم: د. حمود العبدلي

هذا السؤال الذي يتكرر في ثنايا المقال ليس سؤالاً سطحياً يفاضل بين استخدام التكنولوجيا وعدم استخدامها، بل يعبر عن اختلاف عميق بين فلسفتين في النظر إلى العلاقة بين التعليم والتكنولوجيا، فالفرق بينهما لا يتعلق بترتيب الكلمات، وإنما بطبيعة السياسات التي تنتجانها، وأولويات الاستثمار التي تحددانها، والأدوار التي تسندانها إلى المعلمين والمؤسسات، والثقافة التي تحكم الإصلاح التعليمي كله؛ فالفلسفة التي تجعل التكنولوجيا نقطة البداية تقود إلى تعليم يظل في حالة تكيف دائم مع موجات الابتكار وفي محاولة مستمرة للحاق بما يتغير؛ أما الفلسفة التي تجعل غايات التعليم نقطة البداية فتمنح النظام التعليمي بوصلة أكثر ثباتاً، تسمح له بتغيير أدواته دون أن يضطر في كل مرة إلى إعادة تعريف رسالته.
وتبدو الفلسفة التي جعلت التكنولوجيا نقطة البداية ومحور الارتكاز هي الآن الأكثر حضوراً في سياسات التعليم المعاصرة، مستندةً إلى افتراض يتردد كثيراً في خطابات قادة التعليم، ويتسرب بدرجات مختلفة إلى بعض الأدبيات والمناقشات التربوية: «بما أن العالم يتغير بفعل التكنولوجيا، فإن التعليم ينبغي أن يتغير بالطريقة نفسها»؛ ومن ثم تصبح التكنولوجيا نقطة البداية التي يُعاد على أساسها تصميم المناهج، وأساليب التدريس، وأنظمة التقويم، وأدوار المعلمين، وحتى مفهوم المدرسة ذاته، وهو افتراض يبدو في ظاهره بديهياً وبراقاً، لكنه لم يخضع للمساءلة النقدية الكافية من الباحثين والمفكرين وقادة الرأي التربوي؛ فتحول تدريجياً إلى مبرر ضمني لجعل التكنولوجيا نقطة انطلاق الإصلاح التعليمي.
ووفقا لهذا أصبح نظام التعليم مطالباً بالتكيف مع التحولات التقنية المتسارعة؛ فكل تطور جديد في البيئة الرقمية يفرض تطويراً جديداً في السياسات التعليمية؛ فظهور الإنترنت استدعى التعلم الإلكتروني، وانتشار الهواتف الذكية قاد إلى التعلم المتنقل، ثم جاءت الحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، وتحليلات التعلم، والذكاء الاصطناعي، لتدفع نحو موجات متتابعة من الإصلاح، وهكذا يصبح تحديث التعليم عملية مستمرة لمواكبة الابتكار التقني.
وفي هذه الحالة تقاس نجاحات السياسات التعليمية غالباً بمؤشرات من قبيل: عدد الأجهزة المتاحة، وسرعة الاتصال بالإنترنت، ونسبة استخدام المنصات الرقمية، وحجم الاستثمار في البنية التحتية، ومستوى المهارات الرقمية لدى المعلمين والطلاب، ومدى توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات التعليمية، وهي جميعها مؤشرات مهمة، لكنها تعكس في جوهرها قدرة النظام على تبني التكنولوجيا أكثر مما تعكس قدرته على تحقيق غايات التعليم.
من الإنصاف القول ان هذه الفلسفة قدمت إسهامات في توسيع فرص الوصول إلى التعليم، ووفرت أدوات جديدة للتعلم الشخصي، وعززت مرونة المؤسسات التعليمية، وأتاحت استخدام البيانات في تحسين بعض جوانب التدريس والتقويم والإدارة؛ وكشفت جائحة كوفيد-19 أن وجود بنية رقمية قوية لم يعد ترفاً، بل أصبح جزءاً من قدرة الأنظمة التعليمية على الاستمرار في مواجهة الأزمات.
لكن إذا كانت التكنولوجيا هي نقطة البداية فإن كل موجة تقنية جديدة تقتضي إعادة تعريف أولويات التعليم، وإطلاق برامج إصلاح جديدة، وإعادة توزيع الموارد، وإعادة تدريب المعلمين، وبهذا يصبح التعليم في حالة مطاردة دائمة للتكنولوجيا؛ فما يُعد اليوم ابتكاراً قد يصبح غداً ممارسة تقليدية، وما يُقدَّم بوصفه الحل النهائي لا يلبث أن يُستبدل بحل أحدث، وهذا الأمر الجوهري الذي جعل أنظمة التعليم مستنفره في خدمة التطورات أكثر منها في خدمة الإنسان والمجتمع الذي تريد.
وهنا نخلص إلى استنتاج مفاده ان الإشكال الأعمق لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في موقعها داخل التفكير التربوي؛ فعندما تصبح التكنولوجيا هي التي تحدد اتجاه الإصلاح، يتحول السؤال الرئيس من ما الغاية التي ينبغي أن يحققها التعليم؟ إلى كيف يمكن توظيف أحدث التقنيات؟ وهنا يغدو نجاح السياسة التعليمية مرتبطاً بمدى حداثة الوسائل لا بمدى وضوح الغايات التي تخدمها.
ومن ثم فإن قوة هذه الفلسفة تكمن في قدرتها على تحديث أدوات التعليم، لكنها تظل أقل قدرة على الإجابة عن السؤال الذي يسبق جميع الأسئلة التقنية: أي تعليم نريد بناءه أصلاً؟ فإذا ظل هذا السؤال مؤجلاً وبقيتالتكنولوجيا تقود مسار الإصلاح ستبقى بوصلة التعليم تائه وتكتفي أنظمة التعليم ببريق التكنولوجيا ويبقى المجتمع يبحث عن تعليم يلبي تطلعاته، ويستجيب لحاجاته.
وإذا كانت الفلسفة الأولى تبدأ بالتكنولوجيا ثم تبحث عن موقع التعليم داخلها، فإن الفلسفة الثانية تعكس اتجاه السؤال؛ فهي لا تنكر أهمية التحول الرقمي، لكنها لا تجعله نقطة البداية في بناء السياسة التعليمية؛فقبل أن نسأل عن التقنية التي نريد استخدامها، ينبغي أن نحدد أولاً الإنسان الذي نريد أن نبنيه، والمعرفة التي نعدها ذات قيمة، والمجتمع الذي نسعى إلى تشكيله من خلال التعليم؛ وفي هذه الفلسفة لا يصبح التحول الرقمي هو القضية التي يعيد التعليم تعريف نفسه وفقاً لها، بل يصبح السياق الذي يعمل التعليم داخله، وتصبح التكنولوجيا أداة تُختار بقدر ما تخدم الغايات التي حددها المجتمع لتعليم أبنائه.
ويعني ذلك أن تكون الأولوية لبناء إنسان قادر على التعلم المستمر، وإنتاج المعرفة، والتفكير النقدي، والعمل مع الآخرين، وتحمل المسؤولية، والمشاركة الفاعلة في مجتمعه؛ ففي عصر الوفرة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي لم تعد القيمة الأساسية للتعليم في نقل المعلومات وحفظها، بل في بناء القدرة على فهمها وتمييز موثوقيتها وتفسيرها وتحويلها إلى معرفة قابلة للإنتاج والتطبيق، وفي إعداد مواطن قادر على استخدام التكنولوجيا بوعي ومسؤولية دون أن يفقد استقلاله الفكري أو صلته بمجتمعه وثقافته؛ ومن هنا تصبح التنمية امتداداً طبيعياً لهذه الوظيفة، لا نتيجة تلقائية للتقدم التقني؛ إذ تتمثل في قدرة المجتمع على توظيف المعرفة والابتكار والمؤسسات والثقافة في بناء مستقبله؛ ولذلك لا تُقاس قيمة التكنولوجيا بحداثتها أو اتساع استخدامها، بل بقدرتها على خدمة هذه الغايات مجتمعة، وعندها تصبح أداة لبناء الإنسان وإنتاج المعرفة وتعزيز المواطنة وتحقيق التنمية، لا بديلاً عن المشروع التعليمي والمجتمعي نفسه.
ولعل ما يميز هذه الفلسفة أنها تمنح التكنولوجيا موقعها الطبيعي، فهي ليست الخصم الذي ينبغي مقاومته، ولا البطل الذي يُعوَّل عليه حل جميع مشكلات التعليم، بل وسيلة تكتسب قيمتها من الغاية التي تخدمها،فالمنصة الرقمية ليست هدفاً في ذاتها، والذكاء الاصطناعي ليس مؤشراً تلقائياً على جودة التعليم، والمدرسة الذكية لا تصبح ناجحة لأنها أكثر اتصالاً بالشبكات، بل لأنها أكثر قدرة على بناء إنسان قادر على التعلم، والتفكير، والإبداع، والعمل من أجل مجتمعه.
ومن هنا يبرز الفرق الجوهري بين الفلسفتين؛ ففي الأولى يتغير التعليم كلما تغيرت التكنولوجيا؛ أما في الثانية نظراً لوضوح الغايات يبقى نظام التعليم أكثر استقراراً، وأكثر قدرة على استيعاب موجات التغير المتعاقبة دون أن يفقد بوصلته.
ولهذا السبب يبقى السؤال الأهم في عصر التحول الرقمي ليس: كيف نجعل التعليم أكثر رقمية؟ بل: كيف نبني تعليماً يعرف لماذا يستخدم التكنولوجيا، ولأي إنسان، ولأي مجتمع، ولأي مستقبل؟ وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل استراتيجية رقمية، لأنه وحده القادر على تحويل التكنولوجيا من غاية تُطارد باستمرار إلى وسيلة تخدم مشروعاً تربوياً واضح المعالم.



