كتاب أكاديميا

تحول رقمي في التعليم أم تعليم في عصر التحول الرقمي؟ [1] | بقلم: د. حمود العبدلي

لعقدين من الزمن أو يزيد تطارد أنظمة التعليم العربية مشروعات إصلاح التعليم المعزز رقمياً؛ فما إن ينتهي مشروع حتى يبدأ آخر؛ فمرة كان الإصلاح في إدخال الحاسوب إلى المدارس، ومره في التعلم الإلكتروني، وأخرى في التعليم الذكي، ثم في مواءمة التعليم مع الثورة الصناعية الرابعة، واليوم في توظيف الذكاء الاصطناعي، وبين كل موجة وأخرى تُستثمر مليارات الدولارات، وتُعدَّل المناهج، وتُدرَّب الكوادر، وتُنشأ المنصات الرقمية، وتُطلق استراتيجيات وطنية جديدة؛ ومع ذلك لا يكاد يختفي الشعور بأن شيئاً ما لم يتحقق بعد، وأن الرضا عن مخرجات التعليم ما يزال مؤجلاً.

موجات الإصلاح هذه ليست وليدة قرارات سياسية فحسب، بل رافقتها أيضاً موجات متعاقبة من البحوث والمؤتمرات والتقارير الدولية بشّرت في كل مرحلة بأن التقنية الجديدة ستفتح الباب أمام تحول نوعي في التعليم؛ خلقت هذه الموجات قدراً كبيراً من التفاؤل دفعت الحكومات إلى الاستثمار بثقة في حلول بدت واعدة، مدفوعة بقناعة مفادها أن التقنية القادمة قد تكون الفرصة التي تحقق القفزة التي استعصت على المحاولات السابقة.

وما يلفت الانتباه هو أن كل موجة تقنية كانت تُقدَّم بوصفها نقطة التحول الحاسمة، ثم لا تلبث أن تُستبدل بموجة أخرى تحمل الوعد ذاته وكأن الأزمة لا تُحل بل يُعاد تعريفها مع كل تطور تقني جديد؛ وهنا ربما يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل أسهمت مصالح اقتصاد التكنولوجيا إلى جانب ضعف الحضور النقدي للفكر التربوي في جعل كل موجة تقنية تبدو وكأنها الحل المنتظر؟

لكن في المقابل من الإنصاف القول ان تلك الإصلاحات لم تكن بلا قيمة بل ساهمت في توسيع فرص الوصول إلى المعرفة، وتحسين بعض الممارسات التعليمية، وفتح إمكانات جديدة للتعلم، ولعل هذا ما يُعَزِي صانع القرار، غير انها لم تكن بحجم تلك البشارات والوعود التي قُدِمت.

وهنا نتوقف لنعيد السؤال على أنفسنا في ظل معطيات مخرجات التعلم التي لا تلبي الطموح بحجم ما صرف عليها من جهود واموال ووقت، وهو سؤال البداية التي انطلقت منه تلك الإصلاحات بدلاً من: كيف نُسرِّع تعزيز التعليم المعزز رقمياً؟ الذي ربما كان هو السؤال غير الملائم الذي قاد التحول الرقمي في الفترة الماضية؛ إلى سؤال يبدو لي أكثر بساطة لكنه أكثر عمق: أي تعليم نريد أصلاً؟

هذا السؤال رغم بساطته إلا ان الإجابة عنه قد تبدو معقده أكثر مما يتوقعه صانع القرار لإنه سؤال فلسفي عميق يحدد الإنسان الذي نريد بناءه، والمعرفة التي نعدها ذات قيمة، والمجتمع الذي نسعى إلى تشكيله، فإذا لم تتحدد الغاية بوضوح يصبح من الطبيعي أن تنتقل السياسات التعليمية من تقنية إلى أخرى، ومن موجة إصلاح إلى أخرى، دون أن تحسم الاتجاه الذي تتحرك نحوه.

ومن هنا تنشأ الحاجة إلى إعادة صياغة النقاش؛ فالقضية ليست الاختيار بين القبول بالتكنولوجيا أو رفضها، ولا بين التعليم التقليدي والتعليم المعزز رقمياً، وإنما في تحديد نقطة البداية نفسها، هل ينبغي أن نبدأ بالتكنولوجيا ثم نعيد تشكيل التعليم على أساسها؟ أم نبدأ بتحديد فلسفة التعليم وغاياته، ثم نختار من التكنولوجيا ما يخدم تلك الغايات؟

هذه ليست مسألة لغوية أو ترتيباً شكلياً للأسئلة، بل اختلاف في فلسفة بناء السياسات التعليمية، وهو اختلاف قد يفسر لماذا تنجح بعض الدول في توظيف التكنولوجيا داخل مشروع تعليمي متماسك، بينما تظل دول أخرى تنتقل من موجة إصلاح إلى أخرى دون أن تتوقف دوامة الإصلاح.

وهذا هو السؤال الذي يحاول هذا المقال مناقشته: هل نحن بحاجة إلى تحول رقمي في التعليم، أم إلى تعليم في عصر التحول الرقمي؟

 

ما يلفت نظري وانا اتتبع الخطاب العالمي حول إصلاح التعليم خلال السنوات الأخيرة ان هناك زخم واسع في الحديث عن التكنولوجيا أصبح في بعض الأحيان يتقدم على الفكر التربوي، بل ويُستدعى الفكر التربوي أحياناً لتبرير تدخلاته في المجال التعليمي؛ فقد أصبحت مفاهيم مثل التحول الرقمي في التعليم (Digital Transformation In Education)، والذكاء الاصطناعي في التعليم (AI in Education)، والتعلم الذكي (Smart Learning)، وتحليلات التعلم (Learning Analytics) تتصدر الأدبيات التربوية، والاستراتيجيات الوطنية، وخطط تطوير المؤسسات التعليمية، ولم يصاحبه حضور مماثل لفكر تربوي وبحثي نقدي يسائل غايات هذه التقنيات وشروط استخدامها ونتائجها، وبالتالي في وضع كهذا أصبح السؤال الأكثر حضوراً: كيف نوسع استخدام التكنولوجيا ونسرّع دمجها في مختلف جوانب العملية التعليمية؟

ومع كل ما أنتجه هذا المسار من معرفة مهمة حول البنية الرقمية، والمنصات التعليمية، والمهارات الرقمية، والحوكمة، والبيانات، وطرائق توظيف الذكاء الاصطناعي في التدريس والتقويم والإدارة، وهي قضايا أصبحت جزءاً أساسياً من أي نظام تعليمي معاصر، إلا أنه حمل معه أيضاً افتراضاً ضمنياً نادراً ما يخضع للمساءلة والفحص النقدي؛ مفاده أن تطوير التعليم يبدأ من التكنولوجيا نفسها، ونتيجة لذلك، أصبحت كثير من النقاشات تدور حول أسئلة من قبيل: كيف ندمج الذكاء الاصطناعي في التدريس؟ كيف نوسع استخدام المنصات الرقمية؟ كيف نوظف البيانات في تحسين التعلم؟ وكيف نبني مدارس ذكية أكثر كفاءة؟

والملاحظ أن هذه الأسئلة، على أهميتها، تشترك في افتراض ضمني واحد مفاده أن غايات التعليم معروفة سلفاً، وأن المطلوب هو البحث عن أفضل التقنيات لتحقيقها، وبذلك بقي السؤال الأسبق المتعلق بطبيعة هذه الغايات نفسها، خارج دائرة النقاش ونادراً ما حظي بالاهتمام الكافي، فلم تعد السياسات التعليمية تبدأ بالسؤال: أي إنسان نريد أن نبني؟ وأي معرفة نعدها أكثر قيمة؟ وأي مجتمع نسعى إلى تشكيله من خلال التعليم؟ بل أصبحت تبدأ بالسؤال: أي تقنية ينبغي أن نعتمدها؟ وهنا يتحول التعليم من حيث لا نشعر من مشروع تربوي يستعين بالتكنولوجيا إلى مجال تتنافس فيه الابتكارات التقنية على إعادة تشكيله.

المشكلة لا تكمن في حضور التكنولوجيا، وإنما في تحولها إلى نقطة البداية التي يُعاد بناء التعليم انطلاقاً منها فحين يحدث ذلك تصبح كل موجة تقنية جديدة سبباً لإعادة تعريف أولويات التعليم، وإعادة تصميم المناهج، وإعادة تدريب المعلمين، وإطلاق إصلاح جديد، وهكذا يدخل النظام التعليمي في سباق دائم مع التطور التقني بينما تبقى غايات التعليم نفسها أقل حضوراً في النقاش.

ومن هنا فإن القضية ليست في أننا نستخدم التكنولوجيا أكثر مما ينبغي، بل في أننا كثيراً ما نسأل كيف نستخدمها؟ قبل أن نسأل لماذا نستخدمها؟ ولأي تصور عن الإنسان، والمعرفة، والمجتمع ينبغي أن تكون في خدمة التعليم؟

إن إعادة هذا السؤال إلى مقدمة النقاش ليست ترفاً فلسفياً، بل لعله الشرط الأول لبناء سياسات تعليمية أكثر استقراراً؛ فالوسائل تتغير باستمرار، أما الغايات فهي التي تمنح تلك الوسائل معناها واتجاهها، ومن هنا لا يعود السؤال مجرد اختيار بين مسارين، بل يصبح سؤالاً عن الفلسفة التي ينبغي أن تقود مستقبل التعليم: تحول رقمي في التعليم أم تعليم في عصر التحول الرقمي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock