كتاب أكاديميا

ما الذي يُدرس في الأدب؟ | بقلم: أ.مشعل الدويهيس

قـٌصاصات

​كثيراً ما نسمع مصطلح الأدب ولا نعرف تحديداً ماذا يشمل وما الذي يحتويه، الأدب هو شكل من أشكال التعبير الإنساني بل أعظمها، فهو يعكس ما في النفس والمشاعر وما يدور في العقول من أفكار، وكذلك التحولات والاحداث التي يعيشها المجتمع، الأدب لم يكن محصوراً فقط في الشعر أو الرواية، بل هو أوسع من هذا بكثير، هو نتاج الانسان في جوانب شتى من تصوير فني، كلام بليغ، وحكايات يتم صياغتها بأساليب مختلفة فيها من الجمال ما يتجاوز حدود اللغة المباشرة، ومن هنا أصبح الادب أحد الشهود على المسيرة البشرية منذ العصور القديمة، يحفظ ذكراها ويعبر عن ما فيها من افراح وآلام وعن الصراعات المستمرة بين الاحلام والواقع.

لا تقتصر وظيفة الادب على المتعة الجمالية أو الترفيه بالرغم من ان ذلك جزء أساسي في رسالته، ولكنه يمتد ويشمل صناعة الوعي والتربية والتوجيه، فالنصوص الأدبية تملك القدرة التأثيرية التي تتفوق على الخطابات السياسية والمواعظ المباشرة، لأنه يخاطب القلوب والعقول معاً، ويغرس أفكاره في وجدان القراء من خلال الايحاءات والرموز، ولهذا تمنح بعض المجتمعات الادب التقدير والمكانة العالية لأنها مجتمعات واعية بقضاياها وذاتها، ذلك لأن الادب يعلمّها النظر إلى ذاتها بعين الناقد ومن خلاله يطور من نفسه لمستقبل أفضل.

ومن الزاوية التاريخية، فالمؤرخ يقوم بتدوين الوقائع فقط أما الأديب فيقوم برسم روح العصر والتفاصيل المميزة فيه، لذلك فهو أساسي للتاريخ، ففيه الكشف عن ملامح الحياة اليومية للناس، وطموحاتهم ومشاعرهم والصراعات الداخلية التي قد لا يتم تسجيلها في كتب التاريخ. فقصيدة جاهلية قصيرة قد تحمل الكثير من الدلالات عن طبيعة المجتمع قبل الإسلام أكثر مما تحمله صفحات السرد التاريخي، وكذلك قد تكشف احدى روايات القرن التاسع عشر حال الطبقات الاجتماعية لتلك الحقبة، وعلاقات الإنسان والسلطة بعمق لا تجده في السجلات الرسمية، هنا يصبح الادب وثيقة حية من وجه نظر كاتبه لما عاشه، فهي تبث في مخيلة القارئ القدرة على العيش في الحدث كأنه حاضر فيه.

يُعد الادب من أهم عناصر الهوية الوطنية، فمن خلاله يتم حفظ اللغة من الاختفاء ويخلد العادات والتقاليد وكذلك القيم في النصوص التي يتم تناقلها بين جيلاً بعد جيلاً، على سبيل المثال ادبنا الكويتي الذي يشّكل مرجع لمعرفة تحولات المجتمع، من حياة الغوص والبحر والامثال الشعبية فيها إلى زمن النفط الحديث، لذلك فإن الأدب يعتبر جزء من سمعة الدول واهم مكون من مكوناتها الثقافية.

يتضح لنا في النهاية أن الادب ليس مجرد تسلية أو ترف، بل هو ذاكرة الشعوب وصوتها، كما انه وسيلة لفهم الإنسان والتاريخ جنباً إلى جنب، فهو الذي يربط الماضي بالحاضر وصولاً للمستقبل، فهو الذي يكشف لنا قدرة الكلمات على صناعة الوعي وتشكيل الهوية، مما يجعله سلاح حضاري يحمي الإنسان وكرامته.

Insta: @Duwaihees
Email: [email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock