تحول رقمي في التعليم أم تعليم في عصر التحول الرقمي؟ [3] | بقلم: د. حمود العبدلي

التمييز بين التحول الرقمي في التعليم والتعليم في عصر التحول الرقمي ليس مجرد اختلاف في الصياغة، او مجرد إعادة ترتيب كلمات، بل هو تعبير عن اختلاف فلسفتين في بناء السياسات التعليمية بينهما امدا بعيدا في: الطريقة التي تُحدَّد بها الأولويات، وتُوجَّه بها الاستثمارات، وتُقاس بها نتائج الإصلاح، والإجابة عن هذا السؤال ليست ترفاً فكرياً، بل قراراً استراتيجياً يحدد وجهة التعليم واستقراره لعقود مقبلة؛ يستند إلى خبرة تربوية وفكر بحثي ونقدي ضاربا جذوره في أعماق التعليم.
فعندما تبدأ السياسة التعليمية من التكنولوجيا يدخل النظام في سلسلة متتابعة من إعادة تعريف أولوياته مع كل موجة تقنية جديدة، وتتوالى دورات الإصلاح وتتغير الأجندات ويظل التعليم في سباق مستمر مع الابتكار، وربما يدخل في حالة من الارتباك المؤسسي الدائم لا يكاد يجد نفسه؛ وفي الوقت ذاته تتراجع الأسئلة المتعلقة بغايات التعليم ورسالة المدرسة، ويتحول التعليم تدريجياً من قوة تشارك في صناعة المستقبل إلى مؤسسة تكتفي بملاحقة تغيراته.
ولا يقف أثر هذا المنطق عند مستوى الأفكار والسياسات، بل يمتد إلى المال والوقت والإنسان فتدخل الأنظمة التعليمية في دورات متكررة من الإنفاق على الأجهزة والمنصات والبرمجيات، وتتكرر برامج التدريب، وتتبدل مؤشرات الأداء، ويجد المعلم نفسه مطالباً بالتكيف مع سياسة جديدة قبل أن تتاح للسياسة السابقة فرصة كافية للتطبيق والتقييم، وتُستنزف سنوات من العمل في إصلاحات لا تُمنح الوقت الكافي للنضج أو الحكم على نتائجها، وهكذا لا يعود الهدر مقتصراً على الموارد المالية، بل يمتد إلى رأس المال البشري، والخبرة المؤسسية، والقدرة على التعلم من الإصلاحات السابقة، وثقة المجتمع في جدوى الإصلاح نفسه.
والأخطر من ذلك أن الإصلاح يفقد طبيعته بوصفه مرحلة انتقالية نحو غاية محددة، ويتحول إلى حالة دائمة يعيشها النظام التعليمي؛ فكل تقنية جديدة تصبح نقطة انطلاق لإصلاح جديد، وكل موجة ابتكار تفتح دورة جديدة من إعادة التصميم قبل أن تتاح للنظام فرصة كافية لمعرفة ما إذا كان الإصلاح السابق قد حقق الغاية التي أُطلق من أجلها.
أما حين تبدأ السياسة التعليمية من سؤال: أي تعليم نريد؟ فإن التكنولوجيا لا تفقد أهميتها، لكنها تستعيد موقعها الطبيعي بوصفها وسيلة لا غاية، وعندها تصبح القرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، أو المنصات الرقمية، أو تحليلات التعلم، أو غيرها من التقنيات، قرارات تربوية تُحكم بفلسفة التعليم وغاياته، لا قرارات تستجيب تلقائياً لموجة تقنية عابرة، ويصبح السؤال ليس ما إذا كانت التقنية متقدمة، بل ما إذا كانت مناسبة للغرض التربوي الذي نريد تحقيقه.
ولهذا فإن القضية الحقيقية ليست كيف نلحق بالتكنولوجيا، بل كيف نبني فلسفة تعليمية تجعلنا قادرين على توظيفها دون أن نصبح أسرى لإيقاعها، فالتكنولوجيا تتغير بوتيرة متسارعة، أما بناء الإنسان، وإنتاج المعرفة، وتنمية المواطنة، وتعزيز القدرة على التعلم والإبداع فهي غايات تمتد آثارها لعقود؛ وهي التي تمنح كل استثمار تقني معناه وقيمته، وتحدد ما إذا كان هذا الاستثمار يمثل تقدماً تعليمياً أم مجرد تقدماً تقنياً.
ومن هنا فإن التحدي الذي يواجه الدول العربية لا يتمثل في اللحاق بالموجة التقنية التالية، ولا في تبني أحدث النماذج العالمية بأسرع وقت ممكن، بل في إعادة ترتيب أولويات التفكير في التعليم؛ فالسؤال ليس: أي نموذج عالمي ينبغي أن نتبناه؟ ولا أي تقنية ينبغي أن نستوردها؟ وإنما أي فلسفة تعليمية نريد أن تقود سياساتنا قبل أن نختار النموذج أو التكنولوجيا؟
فامتلاك القدرة على الاختيار في راي أهم من سرعة التبني؛ لأن النظام الذي يعرف غاياته يستطيع أن يتعلم من العالم دون أن يصبح تابعاً له، وأن يستفيد من التكنولوجيا دون أن يسمح لها بإعادة تعريف مشروعه التعليمي في كل مرة.
وهنا نقف عل سؤال: هل يوجد أصلاً نموذج عالمي واحد للتعليم في عصر التحول الرقمي؟
الإجابة، في تقديرنا هي: لا.
فعلى الرغم من شيوع مفاهيم مثل Education 5.0 بوصفها تمثل مستقبل التعليم، فإن التجارب الدولية تكشف أن ما يطلق عليه «التعليم 5.0» ليس نموذجاً محددا بعينه، بل هو نموذج يتركز حول الإنسان والغاية الاجتماعية وتوجيه التكنولوجيا.
فاليابان على سبيل المثال انطلقت من مشروع Society 5.0 الذي جعل الإنسان محور التحول الرقمي، ولذلك جاءت التكنولوجيا في خدمة جودة الحياة وحل المشكلات المجتمعية؛ والاتحاد الأوروبي ربط التحول الرقمي ببناء مواطن رقمي مسؤول قادر على ممارسة حقوقه في فضاء رقمي يقوم على الأخلاق والخصوصية والشمول، وفي سنغافورة ارتبط التعليم ببناء رأس مال بشري قادر على الحفاظ على تنافسية الدولة، بينما ركزت فنلندا على بناء متعلم مستقل ومتوازن، وفي كل هذه التجارب الإنسانية جاءت التكنولوجيا دعماً لهذه الغاية لا بديلاً عنها.
وحتى الدول التي تقود الابتكار التقني مثل الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية، لم تجعل التكنولوجيا غاية بذاتها، بل وضعتها في خدمة مشاريع وطنية مختلفة؛ فالولايات المتحدة ربطتها بالابتكار وريادة الأعمال، والصين بالتحديث الوطني وبناء القوة العلمية، وكوريا الجنوبية بتعزيز تنافسيتها في الاقتصاد الرقمي.
وما يجمع هذه التجارب ليس أنها تبنت النموذج نفسه، بل أنها رفضت أن يكون التعليم نسخة مستوردة، فقد أعادت كل دولة تفسير التحول الرقمي وفق ثقافتها، واحتياجاتها، وأولوياتها التنموية، ورؤيتها للإنسان الذي تريد بناءه.
وبالتالي فإن القضية الأكثر الحاحاً الآن أمام أنظمة التعليم العربية ليست في أن نلحق بالنموذج العالمي التالي، ولا في أن ننتقل من شعار إلى آخر، وإنما في أن نمتلك القدرة على بناء نموذج عربي للتعليم في عصر التحول الرقمي؛ نموذج يستفيد من الخبرات العالمية، لكنه لا يستنسخها، ويستوعب التكنولوجيا، لكنه لا يجعلها نقطة البداية، وينطلق أولاً من أسئلة المجتمع العربي نفسه: أي إنسان نريد أن نبني؟ وأي معرفة نعدها ذات قيمة؟ وكيف نوازن بين الانفتاح العالمي والحفاظ على الهوية؟ وما الدور الذي ينبغي أن يؤديه التعليم في التنمية؟
عندها فقط يصبح اختيار التكنولوجيا قراراً تربوياً واعياً، لا استجابة تلقائية لاتجاه عالمي، فقد يكون الذكاء الاصطناعي أولوية في سياق، بينما تكون الأولوية في سياق آخر لبناء المعلم، أو تطوير المناهج، أو تعزيز التفكير النقدي، أو معالجة فجوات العدالة التعليمية، فالمعيار الحقيقي ليس حداثة الأداة، بل قدرتها على خدمة المشروع التربوي الذي اختاره المجتمع لنفسه.
وهي الرسالة التي حاولت هذه السلسلة أن تقدمها؛ فالمستقبل لن يكون من نصيب الأنظمة التعليمية التي تقتني أحدث التقنيات فحسب، بل من نصيب الأنظمة التي تمتلك رؤية واضحة تجعل التكنولوجيا تعمل في خدمة الإنسان، لا أن تجعل الإنسان يعمل في خدمة التكنولوجيا.
وبالتالي لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كيف نُدخل التكنولوجيا إلى تعليمنا؟
بل سؤال أكثر عمقاً: كيف نبني نموذجنا العربي للتعليم 5.0 في عصر التحول الرقمي؟
فحين نمتلك إجابة واضحة عن هذا السؤال تصبح كل تقنية جديدة فرصة لتعزيز مشروعنا التربوي، لا سبباً لبدء مشروع إصلاحي جديد.



