سامي محمد… حين يبقى الأثر بعد رحيل النحات | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان

إنا لله وإنا إليه راجعون.
برحيل الفنان والنحات الكويتي سامي محمد، يفقد المشهد التشكيلي الكويتي والعربي واحدًا من أبرز رواده، وفنانًا لم يتعامل مع النحت بوصفه تشكيلًا للكتلة فحسب، بل جعله لغة إنسانية قادرة على التعبير عن الألم والقهر والحرية والأمومة والجوع، وعن ذلك الإنسان الذي ظل حاضرًا في قلب تجربته طوال عقود.
لم تكن تجربة سامي محمد عابرة في تاريخ الفن الكويتي، ولم تأت أهميتها من طول مسيرته أو كثرة مشاركاته وجوائزه وحدها، بل من قدرته على بناء لغة نحتية خاصة به. فمن يتأمل أعماله يستطيع أن يتعرف إلى عالمه حتى قبل أن يقرأ اسمه؛ أجساد مشدودة، وكتل تختزن توترًا داخليًا، ووجوه وأطراف تبدو أحيانًا وكأنها تحاول التحرر من قوة تحاصرها. هنا لا يصبح الجسد موضوعًا للنحت فقط، وإنما يتحول إلى حامل لمعنى إنساني أوسع.
بدأت علاقة سامي محمد بالطين منذ طفولته، قبل أن تتحول الموهبة الفطرية إلى دراسة وممارسة واعية، ثم إلى مشروع فني امتد لعقود. ومع تطور تجربته انتقل من الاهتمام بالشكل الإنساني إلى مساءلة ما يتعرض له هذا الإنسان من قهر وحصار ومعاناة. ولذلك ارتبطت مجموعة من أشهر أعماله بقضايا تتجاوز حدود المكان، كما في أعمال «الجوع» و«صبرا وشاتيلا» وسلسلة «الصندوق» وغيرها.
وفي «الصندوق» تحديدًا تظهر واحدة من أهم خصائص تجربته؛ فالإنسان لا يقف حرًا في فضاء مفتوح، بل يدخل في علاقة صراع مع الحيز الذي يحتويه. يضغط الجسد على حدوده، ويحاول الخروج منها، حتى يتحول الصندوق من شكل هندسي جامد إلى رمز للحصار والقيد. وهنا تتجلى قدرة الفنان على تحويل المادة الصلبة إلى حالة نفسية؛ فالبرونز، على صلابته، يبدو تحت يديه متوترًا ومتألمًا ومقاومًا.
ولعل هذه النزعة الإنسانية هي التي منحت أعمال سامي محمد قدرتها على تجاوز حدود البيئة المحلية. فهو فنان كويتي الهوية والتكوين، لكنه لم يحصر خطابه داخل الجغرافيا الكويتية، وإنما انطلق منها نحو الإنسان أينما كان. وحين تناول المأساة أو الجوع أو القمع، لم يقدمها بوصفها خبرًا سياسيًا عابرًا، وإنما بوصفها تجربة بشرية تستحق أن تبقى في الذاكرة.
كما أن أهمية سامي محمد تكمن في أنه مارس النحت في مرحلة لم يكن فيها هذا الفن يمتلك المساحة التي يمتلكها اليوم في المشهد الخليجي. وكان اختيار النحت نفسه يحتاج إلى إصرار طويل، لما يتطلبه من معرفة بالخامة، وقدرة تقنية، وورش وتجهيزات ومساحات عرض، فضلًا عن صعوبة حضور المجسم في بيئة اعتادت طويلًا على الفنون ذات البعدين. ومع ذلك استطاع أن يرسخ اسمه وأن يحمل تجربته إلى محافل عربية ودولية، وأن يصبح أحد الوجوه التي عُرف بها الفن التشكيلي الكويتي خارج حدوده.
لكن القيمة الحقيقية لأي فنان كبير لا تقاس فقط بما حققه في حياته، وإنما بما يبقى بعده.
وهنا يضع رحيل سامي محمد أمام مؤسساتنا الثقافية والفنية مسؤولية تتجاوز كلمات التأبين والتكريم. فتركة بهذا الحجم تحتاج إلى مشروع وطني للتوثيق: حصر الأعمال وتوثيقها وتصويرها، وجمع الرسوم والدراسات والمخططات والمراسلات والصور والمواد الأرشيفية المتعلقة بتجربته، وإعداد سجل علمي لأعماله، وتشجيع الدراسات الأكاديمية والنقدية حولها، وإتاحة هذا الإرث للباحثين وطلبة الفنون والأجيال القادمة.
فالفنان يرحل، لكن العمل الفني قادر على مقاومة الغياب إذا وجد من يحفظه ويقرأه ويعيد تقديمه.
لقد أمضى سامي محمد سنوات طويلة وهو يمنح الكتلة الصامتة صوتًا، ويجعل البرونز يتحدث عن الإنسان؛ عن ضعفه حينًا، وعن مقاومته حينًا آخر. واليوم، وقد غاب صاحب اليد التي صنعت تلك الأجساد والوجوه والكتل، تبقى أعماله شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ الفن الكويتي، وعلى تجربة أثبتت أن النحت ليس مجرد مادة وحجم وفراغ، بل موقف وفكر وذاكرة.
رحم الله الفنان سامي محمد، وأسكنه فسيح جناته.
أما إرثه الفني، فمسؤولية بقائه تبدأ منّا.



