التحديات البنيوية للنشر العلمي في التخصصات الفنية الدقيقة: قراءة في العلاقة بين التصنيف الأكاديمي والاعتماد والتحكيم العلمي | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان

يشهد البحث العلمي في العصر الحديث تطوراً متسارعاً فرض على الجامعات والمؤسسات الأكاديمية السعي إلى تطوير أنظمة النشر العلمي والاعتماد الأكاديمي بما يحقق الجودة ويرفع من مستوى الإنتاج المعرفي. وقد أسهمت هذه الجهود في تعزيز مكانة البحث العلمي وربطه بالمعايير الدولية، إلا أن هذا التطور أفرز تحديات تستحق الدراسة، لعل من أبرزها التحديات التي تواجه التخصصات الفنية التطبيقية الدقيقة.
فالتخصصات مثل أشغال المعادن، والنحت، والخزف، وأشغال الخشب، والتراث الشعبي، وغيرها من الفروع الفنية التطبيقية، تتميز بطبيعة خاصة تجمع بين المعرفة النظرية والجانب المهاري والتقني، الأمر الذي يجعل بيئة إنتاجها العلمي مختلفة عن كثير من التخصصات الأخرى.
وتبدأ الإشكالية من التصنيف الأكاديمي ذاته، إذ إن كثيراً من الجامعات العالمية تتعامل مع هذه الفروع بوصفها جزءاً من حقول معرفية أوسع، كالفنون البصرية، أو التربية الفنية، أو الفنون التطبيقية، أو الدراسات الثقافية والتراثية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة المجلات العلمية الدولية التي غالباً ما تتبنى تصنيفات واسعة أكثر من اعتمادها على التخصصات الدقيقة.
ولا تقف التحديات عند حدود التصنيف، بل تمتد إلى طبيعة البحوث ذاتها. فالعديد من الدراسات في هذه الحقول تتناول موضوعات تقنية وتطبيقية تتعلق بالخامات وأساليب التشكيل والابتكار الفني والتقنيات التنفيذية، وهي موضوعات تحتاج إلى خبرات تخصصية دقيقة عند تقييمها وتحكيمها. ومن ثم، فإن توفير التحكيم العلمي المناسب لمثل هذه الدراسات قد يمثل تحدياً إضافياً في بعض البيئات الأكاديمية، ليس بسبب ضعف البحث العلمي، وإنما نتيجة للطبيعة المتخصصة لهذه الحقول.
وتزداد الصورة تعقيداً عندما تتداخل معايير النشر العلمي مع متطلبات الاعتماد الأكاديمي، إذ يسعى الباحث إلى النشر في مجلات تتمتع بالمكانة العلمية والاعتماد المؤسسي المناسب، وفي الوقت نفسه تكون قادرة على استيعاب طبيعة تخصصه وإيجاد البيئة التحكيمية الملائمة له. وكل عنصر من هذه العناصر يبدو مشروعاً ومهماً عند النظر إليه منفرداً، إلا أن اجتماعها قد يحد من الخيارات المتاحة أمام بعض التخصصات الفنية الدقيقة مقارنة بغيرها من الحقول المعرفية.
ومن هنا، فإن القضية لا تتمثل في التقليل من أهمية معايير الجودة أو الاعتماد أو التحكيم العلمي، بل في ضرورة النظر إلى خصوصية بعض التخصصات عند بناء سياسات تقييم البحث العلمي. فالمساواة بين التخصصات لا تعني بالضرورة توحيد المعايير والإجراءات، وإنما مراعاة اختلاف طبيعة الحقول المعرفية وخصائصها وآليات إنتاجها العلمي.
كما أن الاتجاهات الحديثة في البحث العلمي تؤكد أهمية التكامل بين التخصصات وتداخلها، ولم تعد الحدود التقليدية الصارمة بين الحقول المعرفية كما كانت في السابق. ولذلك فإن جودة البحث وأصالته وإسهامه في تطوير المعرفة ينبغي أن تكون في مقدمة معايير التقييم، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة التخصص والبيئة العلمية التي ينتمي إليها.
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه التخصصات الفنية الدقيقة لا يكمن في ضعف إنتاجها العلمي، وإنما في التوفيق بين طبيعتها المعرفية ومتطلبات التصنيف الأكاديمي، وآليات النشر، والتحكيم العلمي، والاعتماد المؤسسي. ومن ثم، فإن تطوير منظومة البحث العلمي يتطلب قراءة متوازنة لهذه العناصر، بما يحقق العدالة بين التخصصات المختلفة ويحافظ في الوقت ذاته على جودة الإنتاج العلمي ورصانته.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم العالي، يبدو من المناسب إعادة النظر بصورة مستمرة في السياسات الأكاديمية ذات الصلة بالنشر العلمي، بما يضمن استيعاب التطورات التي تشهدها الحقول المعرفية المختلفة، ويعزز من قدرة الباحثين على الإسهام في بناء المعرفة وتطويرها.
ولعل المعيار الذي ينبغي أن يحكم هذه الرؤية هو أن جودة البحث العلمي لا تقاس بمدى تطابق المسميات الأكاديمية، وإنما بقدرته على تقديم إضافة معرفية أصيلة، ومنهجية رصينة، وإسهام حقيقي في تطوير الحقل العلمي الذي ينتمي إليه، وبما يخدم المجتمع والإنسانية في آن واحد.




