كتاب أكاديميا

في زمن الذكاء الاصطناعي… هل أصبح التفكير مهمة مؤجلة؟ | بقلم : د.رباب الصفار

لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم ترفًا، بل أصبح واقعًا متسارعًا يفرض نفسه في الفصول الدراسية والجامعات وحتى في الدراسة الفردية. غير أن هذا الحضور المتزايد يطرح إشكالية جوهرية: هل يساعد الذكاء الاصطناعي الطلاب على التعلم الحقيقي، أم يدفع بعضهم إلى الاعتماد المفرط الذي يضعف قدراتهم الذهنية مع الوقت؟

ماذا يحدث عندما يحصل الطالب على الإجابة بسرعة، من دون أن يبذل جهدًا حقيقيًا في التفكير أو التحليل أو الاستذكار؟
قد يبدو الأمر مريحًا في البداية، لكن النتائج على المدى الطويل قد لا تكون مطمئنة..

دراسة حديثة أُجريت على 120 شخصًا لمقارنة أثر استخدام ChatGPT في التعلم مع التعلم التقليدي، قدمت نتيجة مثيرة للاهتمام. فقد قُسم المشاركون إلى مجموعتين: الأولى استخدمت الذكاء الاصطناعي في تعلمها، والثانية واصلت التعلم بالطرق المعتادة. وبعد 45 يومًا، أظهرت نتائج التقييم أن المجموعة التي اعتمدت على ChatGPT سجلت أداءً أقل في الاحتفاظ بالمعلومات مقارنة بالمجموعة التقليدية.

هذا المؤشر يسلط الضوء على قضية مهمة، وهي أن الخلل لا يكمن في التقنية نفسها، بل في نمط التعامل معها. فعندما يعتمد الطالب على الذكاء الاصطناعي ليقوم بدلًا عنه بمهام الفهم والاسترجاع والتحليل، فإنه في الحقيقة يعطل جانبًا مهمًا من النشاط العقلي الذي تحتاجه الذاكرة لتثبيت المعلومات.

التعلم الحقيقي ليس مجرد الحصول على إجابة سريعة، بل هو عملية عقلية نشطة تتطلب جهدًا في التذكر، والمقارنة، والربط، والتفسير. ومن دون هذا الجهد، تصبح المعرفة سطحية وسريعة التلاشي. ولهذا أكد الفكر التربوي طويلًا على أهمية “التعليم النشط” الذي يجعل المتعلم شريكًا في بناء المعرفة لا مستهلكًا سلبيًا لها.

نحن لا نحتاج إلى رفض الذكاء الاصطناعي، بل إلى ترشيد استخدامه. يجب أن يكون معينًا على الفهم، لا بديلًا عن التفكير، ومحفزًا على التعلم، لا وسيلة للكسل الذهني. فالعقل الذي لا يُمارس دوره في الفهم والتحليل، يفقد تدريجيًا بعضًا من قدرته على التذكر العميق والاحتفاظ المستدام بالمعلومة.

إن أخطر ما قد ينتج عن الاستخدام غير الواعي للذكاء الاصطناعي ليس فقط ضعف التحصيل الآني، بل تراجع مهارات التفكير نفسها. ومن هنا، تصبح مسؤولية المؤسسات التعليمية والمعلمين والطلاب معًا هي بناء ثقافة استخدام متوازن للتقنية، بحيث تخدم العقل لا أن تحل محله.

د. رباب الصفار
عضو هيئة تدريس في كلية التربية الاساسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock