التربية الفنية بين الحفاظ على الموروث الثقافي وتنمية الهوية الوطنية لأطفال الكويت | بقلم: د. بثينة عبد الله الملا

تُعدّ التربية الفنية إحدى المواد الدراسية لبناء شخصية الطفل، بدايةً من كونه طفلاً حتى يكون يافعاً، لما لها من دور فعّال في تنمية جوانب الشخصية العقلية والوجدانية والاجتماعية، فضلاً عن دورها الأساسي في ترسيخ القيم الثقافية، وتشكيل الوحدة الوطنية، ويتميز المجتمع الكويتي بثراء تراثه الثقافي وتنوعه الحضاري؛ لذلك تبرز التربية الفنية كأداة تربوية تأسيسية لما لها من استراتيجيات تسهم في تحقيق التوازن بين الحفاظ على الموروث الثقافي والانفتاح على معطيات العصر الحديث، فقد تجاوزت التربية الفنية مفهومها الشائع بوصفها نشاطاً ترفيهياً أو مادة ثانوية في تاريخ النشء؛ لتصبح مجالاً تربوياً يتسم بالشمولية والتكامل، يسهم في بناء وعي الطفل وتنمية الحسّ الجمالي لديه، وتعزيز انتمائه الوطني، فهي تتيح له التعبير عن ذاته وأفكاره واستكشاف بيئته والتفاعل مع عناصر ثقافته المحلية، بما يعزز ارتباطه بجذوره الحضارية.
ويمثل الموروث الثقافي الكويتي رصيداً حضارياً غنياً، يزخربالفنون الشعبية، والحرف التقليدية، والعمارة، والأزياء، والرموز التي تجسد تاريخ المجتمع وقيمه؛ لذلك تبرز أهمية دمج هذه العناصر في مناهج التربية الفنية بمختلف المراحل الدراسية؛ ليتسنى للأطفال استكشاف تراثهم عبر ممارساته الفنية الإبداعية، وليس بالدراسةالنظرية فقط، وإنما يأتي ذلك من تكامل الفكر والحس والثقافةوالتأمل البيئي في بناءٍ واحد. فعندما يرسم الطفل مشاهد من البيئةالكويتية، أو يصمم نماذج مستوحاة من تراثنا البحري والصحراوي،فإنه لا يكتسب مهارات فنية فحسب، بل يخوض تجربة ثقافية تعزز اعتزازه بهويته، وانتماءه لوطنه، من خلال توظيفه الخامات المحليةفي أعماله الفنية، الأمر الذي يرسخ لديه قيم الاستدامة والارتباط الوثيق ببيئته؛ لذلك تؤكد التوجهات التربوية الحديثة في الكويت أهمية ربط أهداف التربية الفنية بالثقافة الوطنية؛ لغرس القيم الأخلاقية والتعبير الجمالي عن قضايا المجتمع، والحفاظ على هويةالأمة من خلال العمل الفني؛ لكي يعكس وعياً متقدماً بدور الفن والتربية في نقل التراث المجيد عبر الأجيال.
كما تُعد الهوية الوطنية الكويتية أحد الأهداف الجوهرية للتربية الفنية؛ حيث تسعى المؤسسات التعليمية إلى إعداد مواطن على درجة عالية من الوعي والاعتزاز بانتمائه لبلده، وقادر على التفاعل الإيجابي مع مجتمعه؛ لذلك يظهر الدور المحوري للتربية الفنية في تنمية هذا الانتماء، من خلال إتاحة الفرصة للأطفال للتعبير عن حبهم وتقديرهم للوطن، والمشاركة في المناسبات والاحتفالات الوطنية عبر أعمال فنية تعكس مشاعرهم الإيجابية تجاه الأعياد الوطنية، مثل رسم العلم الكويتي أو تصميم لوحات تعبيرية عن تاريخ الكويت وكفاحه ضد الغزاة، مما يسهم في ترسيخ مفاهيم الانتماء والولاء، والتعرف على تاريخ الفن الكويتي ومدارسه واتجاهاته، ويعزز من إدراك الطفل لعمق ثقافته ويثري وعيه الفني، بالإضافة إلى أن التربية الفنية تسهم في تعزيز الهوية الوطنية من خلال التعبير الفني عن المناسبات والاحتفالات، ونشر الثقافة الإسلامية، وتقدير العلاقات الاجتماعية بين الشعوب، الأمر الذي يعكس البعد الإنساني للفن بوصفه لغة عالمية تجمع بين الخصوصية الثقافية والانفتاح الحضاري على الثقافات العالمية.
ولا يقتصر دور التربية الفنية داخل الصف الدراسي، بل يمتد إلى المؤسسات الثقافية، وعلى رأسها المتاحف والمعارض الفنية، التي تمثل بيئات تعليمية ثرية تسهم في تعميق الفهم الثقافي لدى أبناء الوطن، فزيارة المتاحف تتيح للطفل مشاهدة الأعمال الفنية الأصيلة، والتعرف على تاريخها وسياقها، مما يعزز من إدراكه لهويته الوطنية، كما تسهم هذه الزيارات في تنمية مهارات التفكير العليا لدى أبناء الوطن، مثل التحليل والتأمل والنقد؛ حيث يتفاعل الطفل مع الأعمال الفنية، ويكوّن رؤيته الخاصة حولها، كما تيسر تقديم المعرفة التاريخية بصورة بصرية، وحسية مشوقة، مما يرسخ في ذهن الطفل ثقافته الموروثة، وهويته الوطنية، بشكل أعمق وأكثر استدامة، كما أنها أداة فعالة في تعزيز الوعي البيئي والاجتماعي لدى الطفل، فهي تشجعه على استخدام الخامات البسيطة، وإعادة تدوير المواد الموجود بالبيئة، وإنتاج أعمال فنية ذات قيمة اقتصادية، الامر الذي يعزز من ثقافة الإنتاج والاستهلاك الرشيد.
كما تسهم التربية الفنية في تنمية مهارات القرن الحادي والعشرين، مثل الإبداع، والتفكير النقدي، والعمل الجماعي؛ وهي مهارات ضرورية لبناء جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل. وقد أكدت التوجيهات التربوية في رؤية الكويت 2035 “كويت جديدة” على توافق أهداف التربية الفنية مع أهداف التنمية المستدامة، من خلال تعزيز التعلم مدى الحياة، وتحقيق العدالة، والحفاظ على القيم الموروثة، وتنمية الهوية الوطنية، والحفاظ على الموارد الطبيعية. ولتحقيق الأهداف المنشودة من التربية الفنية، ينبغي تهيئة بيئة تعليمية داعمة، تتوافر فيها الإمكانات المادية والبشرية اللازمة، والأدوات والخامات، وتدريب المعلمين على استخدام استراتيجيات تدريس حديثة، وإتاحة الفرصة للطلاب للتعبير الحر عن أفكارهم، وربط موضوعاتها بواقع الطفل وبيئته، ومراعاة ميوله واهتماماته، وتشجيعه على المشاركة في الأنشطة الفنية داخل المدرسة وخارجها؛ كما أن تنظيم المعارض الفنية المدرسية وزيارة المتاحف من الوسائل الفعالة في تعزيز التفاعل بين الطفل وبيئته الثقافية، وتنمية هويته الوطنية.
ختاماً، تظل التحديات التي تفرضها العولمة والانفتاح الثقافي،مقرونة بالحاجة إلى تعزيز الهوية الوطنية لدى أطفال الكويت دون الانعزال عن العالم، وهنا تبرز التربية الفنية كأداة تربوية محوريةلتحقيق هذا التوازن، فهي تربط الطفل بتراثه الثقافي، وتنمي حسه الجمالي، وتعمق انتماءه لوطنه، فالاستثمار في التربية الفنية ليس ترفاً، بل ضرورة ملحة لبناء جيل مبدع وواعٍ ومعتز بهويته، وقادرعلى الإسهام في تطوير مجتمعه والحفاظ على إرثه الحضاري. لذا،ينبغي أن يكون دعم هذا المجال وتطويره أولوية ضمن السياسات التعليمية؛ مواكبةً لتطلعات دولة الكويت نحو مستقبل مستدام ومزدهر.
د. بثينة عبد الله الملا
الأستاذ المشارك بقسم المناهج وطرق التدريس، كلية التربية الأساسية، الهيئةالعامة للتعليم التطبيقي والتدريب، الكويت



