الصمود التعليمي: الكويت واستمرار التعليم في الأزمات | بقلم: د. طلال الخضر

في سبتمبر من عام 1939، وبينما كانت سحب الحرب العالمية الثانية المتجهمة تغطي سماء أوروبا، أطلقت الحكومة البريطانية عملية مزمار هاملنالتي أُجلي فيها ما يقرب من مليون ونصف شخص، جلّهم من تلاميذ المدارس، من المدن الكبرى المهددة بالقصف إلى الريف والمناطق الآمنة. وفي مشهد يختزل إرادة الحياة، تحولت مخازن الحبوب، والكنائس، والبيوت الخاصة إلى فصول دراسية مؤقتة. كان المعلمون يدرسّون تلامذتهم وهم يرتدون أقنعة الغاز، في رسالة مفادها أن دويّ المدافع قد يوقف حركة التجارة أو يعطل مسارات النقل، لكنه يجب ألا يطفئ سراج العقل. سُئل حينها رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، عن جدوى الإنفاق التعليم والقضاء في ظل ميزانية الحرب المنهكة والضغوط العسكرية الهائلة، فأجاب: “باسم ماذا نحارب إذن؟”. إن هذه المقولة تؤصل لمبدأ سيادي مفاده أن الدولة لا تسقط بسقوط مدنها، بل بسقوط مؤسساتها التعليمية والقيمية؛ فإذا استمرت قاعات المحاكم في إرساء العدل، واستمرت المدارس في صقل العقول، فإن جوهر الدولة يظل عصياً على الانكسار مهما بلغت شدة الاعتداءات الجوية.
تقدم الكويتي نموذجاً في التعامل مع الأزمات أسمّيه عقيدة “الصمودالتعليمي” التي ترفض الاستسلام للظروف القدرية، وهو ما ظهر جلياً في ثلاث محطات تاريخية فارقة. ففي أزمة الغزو عام ١٩٩٠ الذي شكّل خطراً وجودياً على الدولة، لم يغب شعور الخطر على مستقبل جيل كامل من الطلبة، سواء من خرجوا من الكويت أو من كانوا مبتعثين أصلاً. فشُكلت “اللجنة التعليمية العليا” برئاسة قيادات من وزارة التربية وجامعة الكويتالذي كان مقرها الرئيسي في الطائف مع فروع فاعلة في لندن والقاهرةلضمان عدم انقطاع الطالب عن محيطه القيمي والمعرفي. وقامت اللجنةبملحمة لوجستية وفنية استثنائية، حيث نجحت في زمن قياسي في حصر الطلبة الكويتيين الموزعين في الخارج، وإنشاء قاعدة بيانات دقيقة لهم، بالتوازي مع تأسيس شبكة مدارس كويتية متكاملة في عواصم ومدن كبرى مثل القاهرة، والرياض، ولندن، تعمل تحت إشراف تربوي وطني خالص. كما قامت اللجنة بمواءمة المناهج الدراسية لتلائم الظرف الاستثنائي مع التركيز على الكفايات الأساسية، مستندة في ذلك إلى سواعد المعلمين والمعلمات الكويتيين الذين حولوا تطوعهم في التدريس بلا مقابل إلى فعل مقاومة وطني حمى هوية الأجيال من الضياع. وعقب التحرير مباشرة، ابتكرت الكويت حل “سنة الدمج” (1991-1992) كخيار استراتيجي لاستدراك ما فات الأجيال، حيث تم دمج منهجين في عام دراسي مكثف، رافضين التنازل عن أي درس مهم، وهي خطوة وثقتها د. كافية رمضان في دراستها “آثار العدوان العراقي على التعليم في دولة الكويت” وأكدت أنها ساهمت في حماية جيل كامل من “الفراغ المعرفي” ومنعت حدوث فجوة تعليمية مزمنة وتخلفاً تعليمياً عن الركب العالمي.
وفي أزمة كورونا سرعان ما استجابت المؤسسات التعليمية في الكويت لظروف الحجر والحظر، وأطلقت برامج التعليم الطارئ عن بُعد. وكانت هذه المرحلة بمثابة مسرّع رقمي فرض تحديث البنية التحتية التعليمية، واستمر أثرها لما بعد الأزمة حيث أصبحت سياسة “التعليم المدمج” واللوائح المنظمة للتعليم عن بُعد خياراً دائماً لا استثنائياً. وفي الأزمة الراهنة، كانت البنية التحتية الرقمية والخبرة التعليمية جاهزة لتحوّل فوري وسلس نحو التعليم عن بعد، وتقديم الاختبارات عبر برامج تحاكي مستوى الرقابة في الفصلوتحافظ عن نزاهتها.
شهدت تجارب عالمية أن انقطاع التعليم أثناء الأزمات يخلّف آثارًا تراكمية عميقة تتجاوز الفقد المعرفي. ففي سيراليون، أدّى تفشي وباء إيبولا(2014–2016) إلى إغلاق المدارس نحو تسعة أشهر، ما أسفر عن تراجع حاد في مهارات القراءة والحساب، وارتفاع معدلات التسرّب. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن هذه الصدمة التعليمية ارتبطت بزيادة دائمة في “فقر التعلّم” (Learning Poverty)، حيث عجزت نسبة كبيرة من الأطفال عن قراءة نص بسيط عند سن العاشرة، حتى بعد عودة المدارس. أما في الولايات المتحدة الأمريكية خلال جائحة كوفيد-19، فقد أدى الانتقال المفاجئ إلى التعليم عن بُعد إلى ما يصفه باحثو المكتب الوطني للبحوث الاقتصاديةبـ“فجوة التعلّم الوبائية”، حيث سُجِّلت خسائر كبيرة في التحصيل، خاصة في الرياضيات، مع اتساع الفوارق بين الطبقات الاجتماعية بسبب عدم تكافؤ الوصول إلى الموارد الرقمية. وعلى اختلاف السياقين، تظهر الحالتانأن انقطاع التعليم ولو لفترة قصيرة، يترتب عليها اثاراً طويلة، إذ تتراكم خسائر التعلّم بمرور الزمن وتتحول إلى فروق دائمة في الإنتاجية والدخل.
لقد وضعت الكويت استمرارية التعليم كأولوية سيادية لا تقبل التأجيل، مع التمسك بمعادلة دقيقة تضمن مواصلة التحصيل العلمي دون أدنى تفريط في سلامة الطلبة والكوادر التدريسية. هذه الأولوية نابعة من وعي أكاديميبأهمية حماية الزمن الدراسي، وأن أي تهاون في المحتوى العلمي سيؤدي إلى تأخر وتخلف تنافسية المخرج التعليمي الكويتي على المستوى العالمي.هذا التعثر التعليمي هو خطر وجودي يوازي خطر الأزمات الأمنية. إن استمرارية التعليم في زمن الأزمات ليست مجرد تدبير إداري، بل هي أرقى صور الصمود الشعبي والمقاومة المدنية في وجه التجهيل والنسيان. هذا الصمود التعليمي لا يقل بطولة عن صد العدوان في ميادين القتال. فالمعرفة هي القيمة الذي يمنح النضال الوطني معناه وغايته، وهي الجوهر الذي تذود عنه الدول وتبذل في سبيله الغالي والنفيس. إن هذا الإصرار الدراسي هو الرسالة الأقوى بأن إرادة الشعوب عصية على الانكسار، وأن العلم هو السلاح الأمضى الذي لا يُهزم، والقاعدة الصلبة التي يُبنى عليها مستقبل الأوطان واستقرارها المستدام.
إن منظورنا الأكاديمي للتعليم تحت الحرب يتجاوز كونه مجرد نقل للمعلومات، إذ يمثل الملاذ النفسي الأخير للمجتمعات المنكوبة: فالاستمرارية التعليمية تمنح الطلبة شعوراً بالناظم الزمني وسط فوضى الدمار، مما يقلل من حدة الصدمات النفسية. علاوة على أن توقف التعليم يعني ضياع أجيال كاملة، وهو ما يعرف بـ “الجيل الضائع”، مما يرهن مستقبل الدولة لما بعد الحرب ويجعل عملية إعادة الإعمار مستحيلة تقنياً وفكرياً. فالقلم في زمن الحرب ليس مجرد أداة للكتابة، بل هو أداة لإثبات السيادة الوطنية وحماية الهوية من المحو. وتتجلى فلسفة استمرار التعليم في زمن الأزمات كأرقى صور المقاومة الشعبية والمدنية؛ فهي إعلان صريح عن رفض الهزيمة النفسية، ومحاولة لقطع الطريق أمام المعتدي الذي يسعى لتجهيل المجتمع وتفكيك بنيته المعرفية. إن الصمود التعليمي يعكس عزماً أكيداً على البقاء ضمن خارطة المنافسة العالمية؛ فالمعرفة في العصر الحديث هي المحرك الأساسي للقوة، والعملة الصعبة التي تضمن للدول مقعداً في مستقبل ما بعد الحرب. ولذا، فإن الإصرار على فتح الكتاب تحت دوي المدافع هو استثمار في رأس المال البشري الذي سيقود عملية الإعمار والنهضة اللاحقة، وبدون هذا الاستمرار، تتحول المجتمعات إلى كيانات تابعة ومستهلكة تفتقر للكوادر القادرة على الابتكار والمواكبة.
عند النظر في التاريخ العالمي، نجد تجربة كمبوديا تحت حكم “الخمير الحمر” في سبعينيات القرن الماضي مثالاً مأساوياً على ما يحدث حينما يتوقف قطار التعليم قسراً: ففي تلك الحقبة، أعلنت سياسة “العام صفر”، وتم تصفية النخبة المتعلمة وإغلاق المدارس والجامعات وتحويل المجتمع إلى نمط بدائي قسري، مما أدى إلى حدوث فجوة معرفية وحضارية استمرت آثارها لعقود طويلة. لقد فقدت كمبوديا أجيالاً كاملة من المهندسين والأطباء والمعلمين، مما تسبب في تعثر اقتصادي وتنموي هائل جعل البلاد تعاني من التخلف عن ركب جيرانها في جنوب شرق آسيا لفترة طويلة؛ حيث أناسترداد العافية العلمية بعد انقطاع دام سنوات يتطلب جهوداً مضاعفة تتجاوز مجرد بناء المدارس، لتصل إلى محاولة تعويض الضياع الفكري والقيمي الذي خلفه التجهيل المتعمد. ومن الأمثلة الملهمة في المقابل، ما حدث في بولندا أثناء الاحتلال النازي، حيث تم حظر التعليم العالي، فأنشأ البولنديون ما عُرف بـ “الجامعة الطائرة”؛ وهي منظمة تعليمية سرية كانت تعقد دروسها في بيوت خاصة ومواقع متغيرة لتدريس الآلاف من الطلاب سراً، لضمان عدم اندثار الثقافة والعلوم البولندية، وهو ما يثبت أن التعليم يتحول في الأزمات إلى فعل نضالي لا يقل أهمية عن العمل العسكري.
وفي العصر الراهن، وفرت الثورة التكنولوجية أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة، مما جعل “المدرسة الافتراضية” واقعاً ممكناً حتى تحت أحلك الظروف: فالحوسبة السحابية تتيح تخزين المناهج والوصول إليها عبر الهواتف الذكية، مما يجعل تدمير المبنى المدرسي لا يعني تدمير المحتوى التعليمي. كما أن أقمار الإنترنت الصناعية أثبتت نجاعتها في كسر العزلة الرقمية المفروضة على المناطق المنكوبة، مما يضمن تدفق المعرفة واستمرار التواصل مع العالم الخارجي. إن هذه الحلول التقنية تمثل “الدرع المعرفي” الحديث الذي يحمي العقول من التوقف القسري، ويعزز من قدرة المجتمعات على الصمود والمنافسة في سوق العمل العالمي الذي لا يعترف بالأعذار حتى في زمن الحروب. إن استمرار التعليم هو الضمانة الوحيدة لعدم خروج الدولة من التاريخ وتحولها إلى مجرد ركام، بل يظل العقل هو القلعة الحصينة التي تبني فوق الحطام جسوراً نحو غد مشرق ومستدام. وهو الأمل الذي ينمو في الشقوق التي تتركها القذائف، ليؤكد أن الهزيمة الحقيقية لأي أمة لا تحدث بسقوط قلاعها العسكرية، بل بإغلاق دفاتر طلابها. فالعقل هو الحصن الذي لا يقتحم، والمستقبل الذي لا يؤجل مهما عظمت التضحيات ونضبت الموارد المادية؛ لأنه الجسر الوحيد الذي يربط بين حطام الحاضر وبناء المستقبل. وفي نهاية المطاف، فإن إرادة التعلم هي التي تصنع الفرق بين أمة تموت، وأمة تولد من جديد تحت الرماد، متمسكة بحقها في الوجود والمنافسة والريادة العلمية العالمية.



