عام الحرف: تجلٍ للتراث والتكافل في المجتمع السعودي | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان


احتفاء بالهوية من خلال الحِرف
في مشهد ثقافي متجدد يعكس وعيًا عميقًا بأهمية التراث، أعلنت المملكة العربية السعودية عن عام 2025 بوصفه “عام الحرف”، وهي مبادرة وطنية تهدف إلى إحياء المهن اليدوية التقليدية وإبرازها بوصفها جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية السعودية، لا تُعد الحرف مجرد مهارات يدوية تُمارس لكسب الرزق، بل هي ذاكرة متحركة، وسجل حيّ للقيم والعادات التي شكّلت الشخصية السعودية عبر القرون.
تلك الحِرف كانت — ولا تزال — امتدادًا للعلاقة الفطرية بين الإنسان والبيئة المحيطة به؛ فهي فنونٌ نشأت من احتياجات واقعية، ولكنها ما لبثت أن تحوّلت إلى رموز جمالية ووسائل للتعبير. فنون السدو والنسيج، الحياكة بسعف النخيل، صناعة الفخار، النقش على الخشب، وصياغة المعادن، كلها ليست أعمالًا عابرة، بل شواهد على الإبداع المحلي الذي يحمل توقيعًا فنيًا فريدًا لكل منطقة.
الحرفي السعودي… من الحاجة إلى الجمال
رغم أن منطلق الحِرفة غالبًا ما يكون وظيفيًا، فإن الحرفي السعودي لم يتوقف عند حدود الإنتاج النافع فقط، بل أضاف إلى منتجه حسًا جماليًا يعكس ذائقته وثقافته، فالإناء الذي يُستعمل في المطبخ، لم يكن مجرد أداة، بل كان يحمل زخارف وألوانًا تنطق بالروح الفنية لصاحبها.
لقد أبدع الحرفيون السعوديون في دمج الجمال بالمنفعة، حتى باتت منتجاتهم أشبه بلوحات وظيفية. هذا التوجه الجمالي لم يكن ترفًا، بل كان امتدادًا لفطرة الإنسان الذي يحب الجمال ويسعى إلى الإتقان.
وما يميز الحرفي السعودي هو قدرته على التوفيق بين حفظ الموروث، والابتكار والتطوير، ففي كل قطعة يدوية نجد تراثًا يُروى، وحسًا بصريًا يُدهش، ووظيفة تُلبّى.
الحِرف كمورد ثقافي واقتصادي في رؤية السعودية 2030
لم يعد الحديث عن الحرف مقتصرًا على الطابع التراثي فحسب، بل تجاوز ذلك ليصبح جزءًا من الاقتصاد الإبداعي الحديث الذي تراهن عليه رؤية السعودية 2030. فالصناعات اليدوية اليوم تُعد من الركائز المهمة في تنويع مصادر الدخل الوطني، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز السياحة الثقافية، وربط الأجيال الجديدة بهويتها.
تُقدّر الصناعات الإبداعية عالميًا بمليارات الدولارات سنويًا، والسعودية بما تمتلكه من تنوع في البيئات والموروثات الحرفية — من الجبال إلى السهول، ومن الصحراء إلى البحر — تملك كنزًا قابلاً للاستثمار، إذا أُحسن تنظيمه وتقديمه بأساليب عصرية.
وقد جاءت برامج مثل “برامج جودة الحياة”، و”هيئة التراث”، و”هيئة الأزياء والحرف” لتضع الأطر المؤسساتية الداعمة لهذا التوجه، وتعيد الحرفيين إلى مركز المشهد التنموي لا إلى هامشه.
إحياء الحِرفة… إحياء للروح الوطنية
في إحياء الحِرف ليس فقط حفاظ على مهارة، ولا حفاظ على غرض وظيفي، بل حفاظ على هوية، وانتصار للذاكرة، وإعادة الإنسان إلى مركز فعاليته فحين تصنع شيئًا بيدك، فأنت تُعيد صياغة العلاقة مع العالم، وتضع بلمساتك هوية مجتمع وفكره وفلسفته.
الحِرفة تحرر الإنسان من الاستهلاك المطلق، وتُرسّخ قيم الاكتفاء، وتُعزز الانتماء، فليس من المصادفة أن تكون الحِرف دومًا لصيقة بالهوية الوطنية في أي بلد، كما أنها مصدر فخر حضاري في المحافل العالمية.
“عام الحرف” ليس مجرد فعالية سنوية، بل دعوة لإعادة النظر في أنماط الإنتاج والتعليم والتوظيف، بما يسمح بخلق جيل جديد من الحرفيين المصممين، الذين يجمعون بين المهارة اليدوية والرؤية الإبداعية، ويصوغون من التراث مشروعًا للمستقبل.



