كتاب أكاديميا

رؤية الكويت 2035 تكتمل بتكامل جهود الجهات المعنية بالفنون والتراث | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان

عند الحديث عن رؤية الكويت 2035، فإننا لا نشير إلى مشروع يخص جهة حكومية بعينها، بل إلى مشروع وطني شامل تتكامل فيه الأدوار وتلتقي فيه الخبرات لتحقيق مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة. ومن هذا المنطلق، يبرز تساؤل جوهري: هل تم جمع جميع الجهات المعنية بالفنون والتراث والتعليم الفني لوضع تصور استراتيجي مشترك يحدد أدوارها في تحقيق مستهدفات الرؤية؟

في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن الإجابة لا تزال بحاجة إلى مراجعة وتقييم. فنجاح أي رؤية وطنية لا يعتمد فقط على توفر الموارد، بل يتطلب أيضًا إشراك جميع أصحاب الاختصاص والاستفادة من خبراتهم في مراحل التخطيط المبكر قبل التنفيذ.

ومن واقع التخصص في مجال التربية الفنية، يطرح تساؤل مهم: هل تم إشراك أقسام التربية الفنية في مؤسسات التعليم العالي لتقديم رؤاها حول سبل الإسهام في تحقيق مستهدفات الرؤية المرتبطة بالفنون البصرية، والصناعات الإبداعية، والسياحة الثقافية، والحفاظ على الهوية الوطنية؟

إن قسم التربية الفنية في كلية التربية الأساسية لا يقتصر دوره على إعداد معلمي الفن، بل يضم كوادر متخصصة في مجالات متعددة، منها الأشغال الفنية، والتصميم، والنحت، وتشكيل المعادن والمجوهرات، وتشكيل الخشب، والطباعة، والخزف، والفنون الشعبية، وغيرها من مجالات الفنون البصرية. وهذه التخصصات لا تمثل معارف أكاديمية فحسب، بل تشكل أدوات فاعلة يمكن توظيفها في دعم التنمية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. كما يمتلك القسم القدرة على تطوير برامجه بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل، وتزويده بالكفاءات والخبرات المطلوبة.

فعلى سبيل المثال، لا تقتصر احتياجات المتاحف على المباني والمقتنيات، بل تشمل أيضًا كوادر مؤهلة مثل المشرفين المتحفيين، ومسؤولي قاعات العرض، ومصممي المعارض، والمتخصصين في العرض المتحفي والتفسير البصري. كما أن تنشيط السياحة الثقافية يتطلب تطوير منتجات تذكارية تعكس هوية الكويت وتراثها، وإحياء الحرف التقليدية وربطها بالصناعات الإبداعية، وهي مجالات يمتلك خريجو التربية الفنية الخبرة اللازمة للإسهام فيها.

إضافة إلى ذلك، يمكن للخبرات الوطنية في مجال التربية الفنية أن تسهم في تصميم الهوية البصرية للمواقع التراثية، وإعداد البرامج التدريبية للحرفيين، وتنفيذ الورش الفنية، وإنتاج المجسمات التعليمية، وإحياء الحرف التقليدية، وتقديم مبادرات تعزز الثقافة البصرية وترتقي بالذائقة الجمالية للمجتمع.

إن هذه الطروحات لا تقتصر على قسم أكاديمي بعينه، بل تؤكد مبدأً أساسيًا يتمثل في أن كل مؤسسة وطنية تمتلك جزءًا من الحل، وأن تحقيق رؤية الكويت 2035 يتطلب توحيد هذه الجهود ضمن منظومة متكاملة تعمل بروح الفريق الواحد.

وعليه، فإن الحاجة الملحة اليوم لا تكمن في زيادة الجهود الفردية، بل في إنشاء منصة وطنية تجمع الجهات المعنية بالفنون والتراث والثقافة والسياحة والتعليم، بهدف تحديد الأدوار، وتنسيق المبادرات، وبناء برامج مشتركة تستند إلى الخبرات الوطنية المتوفرة في مؤسسات الدولة، وتحويلها إلى مشاريع عملية تسهم في تحقيق مستهدفات الرؤية.

إن تحقيق رؤية الكويت 2035 يتطلب تكامل الجهود وتضافرها، ولن يكتمل إلا من خلال اجتماع جميع الجهات المعنية على طاولة واحدة، وإتاحة الفرصة لأصحاب الاختصاص للمشاركة الفاعلة في بناء المستقبل. فالفنون والثقافة والتراث ليست عناصر تكميلية، بل تمثل ركائز أساسية للهوية الوطنية، ومحركات رئيسية للاقتصاد الإبداعي، وجسرًا يربط الماضي بالمستقبل، ويعكس صورة الكويت الحضارية التي تستحقها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock