كتاب أكاديميا

فلسفة التربية الفنية .. هل الفن يربي؟ | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان

ما زال كثير من الناس ينظر إلى التربية الفنية على أنها مادة لتعليم الرسم والتلوين أو اكتساب بعض المهارات اليدوية، بينما يغيب عن الأذهان أن جوهر هذا التخصص أعمق من ذلك بكثير. فالتربية الفنية ليست تربية على الفن فحسب، بل هي تربية من خلال الفن، أي اتخاذ الفن وسيلة لبناء الإنسان وتنمية شخصيته.

وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل الفن يربي؟

الإجابة ليست بالإطلاق، فالفن لا يربي بمجرد وجود لوحة على جدار، أو تمثال في ميدان، أو قطعة موسيقية تُعزف. إنما يصبح الفن قوة تربوية عندما يتحول إلى خبرة يعيشها الإنسان، فيتأمل، ويكتشف، ويحلل، ويبدع، ويعبر عن ذاته، ويتعلم احترام اختلاف الآخرين.

لقد أدرك المفكر البريطاني هربرت ريد هذه الحقيقة منذ منتصف القرن الماضي، فاختار لكتابه الأشهر عنوانًا بالغ الدلالة: التربية من خلال الفن (Education Through Art)، مؤكدًا أن غاية التربية الفنية ليست إعداد الفنانين فحسب، وإنما بناء إنسان أكثر قدرة على الإبداع والتذوق والتفكير. ومنذ ذلك الحين أصبحت عبارة “التربية من خلال الفن” إحدى الركائز الفكرية التي قامت عليها التربية الفنية الحديثة.

وفي السياق نفسه، يرى الفيلسوف الأمريكي جون ديوي أن الفن ليس شيئًا منفصلًا عن الحياة، بل هو خبرة إنسانية يعيشها الفرد، ومن خلال هذه الخبرة ينمو الفكر، وتتكون الخبرات، ويعاد بناء الفهم. ولذلك فإن قيمة الفن لا تكمن في المنتج الفني وحده، بل فيما يتركه من أثر في عقل الإنسان ووجدانه.

أما رائد التربية الفنية فيكتور لوينفيلد فقد تجاوز النظر إلى العمل الفني بوصفه هدفًا نهائيًا، ورأى أن القيمة الحقيقية للعمل الفني تكمن فيما يحدثه أثناء عملية الإنتاج من نمو في شخصية المتعلم، وتنمية لخياله، وثقته بنفسه، وقدرته على الابتكار واتخاذ القرار.

ومن هنا فإن التربية الفنية لا تقتصر على تعليم الطالب كيف يرسم أو يشكل الخامات، بل تعلمه كيف يلاحظ التفاصيل، وكيف يصبر حتى ينجز عمله، وكيف يخطط قبل التنفيذ، وكيف يحترم النظام، وكيف يتذوق الجمال، وكيف يتقبل اختلاف الرؤى والأفكار. إنها تربي العقل، والوجدان، والذوق، والسلوك، في آن واحد.

ولعل هذا ما يفسر اهتمام الدول المتقدمة بالتربية الفنية، فهي لا تنظر إليها باعتبارها مادة ترفيهية أو نشاطًا تكميليًا، وإنما تعدها أحد المداخل الأساسية لتنمية التفكير الإبداعي، وبناء الشخصية، وتعزيز الهوية الثقافية، وإعداد الإنسان القادر على التعامل مع تحديات المستقبل.

إن المجتمعات لا تحتاج إلى أن يكون جميع أفرادها فنانين، لكنها تحتاج إلى أفراد يمتلكون الحس الجمالي، والقدرة على الإبداع، واحترام العمل، والوعي بثقافتهم، وهذه كلها قيم تسهم التربية الفنية في غرسها عندما تؤدى رسالتها الحقيقية.

ومن هنا يمكن القول إن السؤال لم يعد: هل الفن يربي؟ بل أصبح: كيف نجعل الفن يؤدي رسالته التربوية على الوجه الأمثل؟ فحين يوظف الفن توظيفًا تربويًا صحيحًا، فإنه لا يصنع لوحة جميلة فحسب، بل يسهم في صناعة إنسان أجمل.

ولعل أجمل تعريف يمكن أن تختزل به فلسفة التربية الفنية هو أنها ليست تربية لإنتاج الفنان، وإنما تربية لإنتاج الإنسان، واتخذت من الفن طريقًا لتحقيق هذه الغاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock