كتاب أكاديميا

في البحث العلمي: أربعة أخطاء شائعة تبتلع جهد الباحث| بقلم: د. حمود علي العبدلي


من خلال مراجعتي للعديد من الأبحاث العلمية، خصوصاً في مجال تكنولوجيا التعليم، لاحظتُ نمطاً مقلقاً يتكرر باستمرار لا يقتصر على تخصص بعينه، بل هي تحدٍ يواجه الباحثين في مختلف حقول العلوم الإنسانية والطبيعية: رصدت منها أربعة أخطاء جوهرية تعمل كـ ثقوب سوداء تبتلع جهد الباحثين وتقوض مساهمتهم في بناء المعرفة. هذه الأخطاء لا تمثل هفوات بسيطة بل تمس أسس البحث في المفهوم، والنظرية، والمنهج، والتعميم:

1. المفهوم: او المفاهيم الرئيسية او مفاهيم متغيرات البحث الذي يبني الباحث عليه بحثه؛ الاحاطة بها وتعريفها جيدا تساعد في نمو المعرفة بشكل أسرع في العادة؛ مالم فإن الخطأ في تعريفها وتحديدها بصوره جيده بها تعني ان الباحث يعمل في غير منطقة بحثه، ويبني في غير سور المعرفة التي يدعيه؛ وهذه من الثقوب السوداء التي تهدر جهد الباحث، وتقود البحث ونتائجه في مكان آخر غير بناء النظرية والمعرفة. فمثلاً عمر ما كان المقصود بتكنولوجيا التعليم استخدام التكنولوجيا في التعليم وهذا الخطأ شائع لا يقع فيه الباحثين فحسب بل منظمات دولية على مستوى اليونيسكو والـOCED؛ والمقصود بتكنولوجيا التعليم ببساطة شديدة تطبيق فكرة أو عملية منظمة لحل مشكلة تعليمية سواءً دخلت فيها منتجات تكنولوجيا الالكترون او لم تدخل، وللمهتمين مراجعة تعريفاتISTE، فحينما يُعرف الباحث تكنولوجيا التعليم أنها استخدام التكنولوجيا في التعليم يبقي في البحث عند السطح وهو في هذه الحالة لا يبحث في تكنولوجيا التعليم ولا يبني نظريتها بل يذهب بها بعيداً في سور آخر قد يكون مجاور لتكنولوجيا التعليم ولكنه ليس سورها، وهذا واحد من أسباب تخلف العلوم البناء في غير سور المعرفة الذي يدعيه الباحث بسبب اخطأ المفهوم.

2. الإطار النظري: بوصلة توجه البحث لا مستودع للاقتباسات، وتجميع للنصوص؛ من الممارسات الخاطئة هي التعامل مع الإطار النظري على أنه مجرد فصل وصفي لسرد تعريفات ومفاهيم تتعلق بمتغيرات الدراسة،  بعمليات قص ولصق متكررة تهدف لملء الصفحات (بالأهمية، والفوائد، والمميزات … الخ)، وهي في هذه الحالة لا تضيف للعلم شيئًا، ولا تظهر شخصية الباحث وقدرته على بناء حجة منطقية متماسكة، فكل ما عمله الباحث هنا هو تحويل هذا الجزء الحيوي من البحث إلى مستودع للمعلومات المكدسة، فالإطار النظري في جوهره ليس وصفيًا، بل هو تحليلي ونقدي يخبرنا ببساطة كيف فكرت فيما قرأت وليس ماذا قرأت، فوظيفته ليست مجرد عرض لما هو معروف، بل هو العدسة النظرية التي يختارها الباحث للنظر من خلالها إلى مشكلته البحثية (Creswell & Creswell, 2018). وباختصار يمكن تلخيص وظيفته الحقيقية في ثلاث نقاط أساسية:

• الأساس المنطقي: الذي يبرر لماذا يتوقع الباحث وجود علاقة بين متغيراته. هو لا يجيب فقط عن سؤال ماذا يتضمن تدخله البحثي؟ بل يجيب عن السؤال الأهم:لماذا يتوقع له أن ينجح؟

• البوصلة الموجهة: التي ترشد الباحث في كل خطواته، من صياغة الفرضيات واختيار المنهجية، وصولًا إلى تحليل النتائج.

• الإطار المرجعي للمناقشة: فعندما يحصل الباحث على نتائجه، فإنه لا يناقشها في فراغ، بل يعود إلى إطاره النظري ليسأل: هل تتفق نتائجي مع النظرية أم تختلف معها؟ وماذا يعني ذلك؟ هنا تكمن المساهمة الحقيقية في بناء المعرفة، حيث قد تؤدي نتائجك إلى تأكيد النظرية، أو تعديلها، أو حتى دحضها في سياق معين.

3. المنهج: وهنا الخطأ الفادح الذي يرتكبه ربما 90% من الباحثين، وهو جهل العلاقة بين العينة والمجتمع. اذا لم يكن المجتمع معلوم يمكن حصره واختيار العينة منه وفق شروط اختيار العينة العلمية فلا داعي لذكره، ويمكن للباحث ان يختار عينه قصدية ويبرر اختياره، ومنهجه صحيح ولا غبار عليه؛ ببساطة العلاقة بين العينة والمجتمع علاقة تعميم اذا لم توجد هذه العلاقة ينتفي معه قصة العينة والمجتمع وتتحول الى مجرد سرد غير منهجي يظنه الباحث من المنهج وما هو من المنهج، ويعطي انطباع عن عدم فهم الباحث منهجية البحث؛ فمثلاً قد يحدد بعض الباحثين مجتمع بحث كبير (مثل كل معلمي المرحلة الثانوية في مدينة ما)، ثم يختارون عينة صغيرة بطريقة قصدية (أي غير عشوائية)، ثم يضعون نتائجهم وتوصياتهم وكأنها تنطبق على كل معلمي تلك المدينة. هذا خطأ منهجي كبير، لأنه يخلط بين منطقين مختلفين تمامًا للبحث:

• منطق البحث الذي يهدف إلى التعميم الإحصائي (Statistical Generalization): هذا هو النموذج التقليدي في البحث الكمي. يبدأ الباحث بتعريف مجتمع محدد (Population)، ثم يسحب منه عينة ممثلة (طرق سحب العينه)، ويجري دراسته على العينة، بهدف تعميم النتائج العددية على ذلك المجتمع المحدد. في هذا النموذج العلاقة بين العينة والمجتمع هي علاقة تمثيل إحصائي. وإذا تم اختيار العينة بطريقة غير احتمالية (كالقصدية) فإن هذا الهدف (التعميم الإحصائي) يصبح ضعيفًا أو مستحيلًا.

• منطق البحث الذي يهدف إلى التعميم النظري أو التحليلي (Theoretical or Analytic Generalization): هذا المنطق أكثر شيوعًا في البحث الكيفي، ولكنه موجود بقوة في بعض الدراسات الكمية والتجريبية التي يلجأ اليها الباحثون احياناً؛ هنا لا يكون الهدف هو تعميم النتائج على مجتمع محدد إحصائيًا، بل اختبار أو تطوير نظرية أو فهم آلية سببية (causal mechanism).، كما يوضح Yin(2018) في كتابه الشهير عن دراسة الحالة، فإن العينة (أو الحالة) لا يتم اختيارها لتمثل مجتمعًا، بل يتم اختيارها لأنها تمثل حالة نموذجية، أو حرجة، أو فريدة يمكن من خلالها اختبار فرضيات نظرية. التعميم هنا لا يكون من العينة إلى المجتمع، بل من النتائج التجريبية إلى النظرية.

ماذا يعني هذا؟ يعني ان الاستنتاجات يجب أن تُنسب مباشرة إلى عينة البحث، فقط ولا يوجد مجتمع بحث تعمم عليه، العديد من الدراسات التجريبية الرائدة، خاصة في علم النفس والطب، تُجرى على عينات متاحة أو متطوعين (غير عشوائية)، لأن هدفها الأساسي هو إثبات وجود علاقة سببية أولاً، أما مسألة تعميم هذه العلاقة تأتي لاحقًا من خلال تكرار الدراسة(Replication) في سياقات ومع عينات مختلفة.

فعندما تختار عزيزي الباحث عينه قصدية، فأنت عن وعي أو غير وعي، تبتعد عن منطق البحث الأول (التعميم الإحصائي) وتقترب أكثر من منطق البحث الثاني… فلماذا اذن تكتب مجتمع البحث (المنطق الأول)، وانت في المنطق الثاني؟!

4. التعميم المفرط (Overgeneralization): بناء قرارات كبرى على أدلة صغرى من الأخطاء الشائعة في هذا الجزء بشكل مقلق هو تقديم توصيات ضخمة وعامة لا تتناسب إطلاقًا مع حجم وحدود الدراسة الصغيرة التي تم إجراؤها. فمثلاً باحثًا أجرى دراسته على عينة قصدية من 20 فردًا في مؤسسة واحدة، ثم يخرج بتوصية جريئة مثل تعميم هذا البرنامج على مستوى الدولة أو على صانعي السياسات تبني هذه الاستراتيجية، وينسى الباحث ان البحث العلمي هو عملية تراكمية وبطيئة. دور دراسته الصغيرة والمحدودة هو أن تضيف لبنة صغيرة إلى جدار المعرفة، لا أن تدعي بناء الجدار بأكمله؛ فالقفز من دراسة محدودة إلى توصيات بالتعميم على مستوى السياسات الكبرى، ليس فقط خطأ منهجيًا، بل هو أيضًا مؤشر على عدم فهم الباحث لموقعه الحقيقي في رحلة بناء المعرفة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock