كيف نقيس التفاهة | بقلم: أ. مشعل الدويهيس

قـٌصاصات
التفاهة ليست مفهوم علمي يمكن قياسه بدقة أو بأداة ثابتة، وهي ليست صفة مطلقة تلصق في الانسان بجميع أحواله ايضاً، وإنما هي حالة سلوكية وفكرية تظهر حين يختل ميزان الأولويات والاهتمامات، فيرتفع شأن الأمور الفارغة والسطحية، ويتراجع الاهتمام بالقيمة الحقيقية والمعنى والجوهر، ومن هنا يمكننا القول هي غياب النظرة العميقة الى الحياة وتضخيم ما لا يستحق التضخيم، وكذلك التركيز على ما يثير الانتباه أكثر مما يضيف الفائدة.
ومما لا شك فيه أن التفاهة لا تعني بالضرورة ضعف الذكاء، وقد يكون الانسان ذكي من الناحية العقلية، ولكنه يقوم بتوجيه ذكاءه الى التوافه والشكليات، لذلك لا يمكننا فهم أن التفاهة نقص في القدرات العقلية بقدر ما هي اضطراب في تقدير الأهم والاقل أهمية وكذلك سوء في ترتيب القيم، فالإنسان التافه قد يبالغ في الاهتمام بالمظاهر، ويستهلك الكثير من الجهد والطاقة في الأمور الهامشية، أو يعتبر رأي الناس غاية أساسياً، واما العلم والمسؤولية والمعاني العميقة للأشياء آخر اهتماماته.
لا يوجد مقياس رسمي يقيس “نسبة التفاهة”، لأنها ليست شيئاً مادياً، كما لا توجد معادلات علمية تحدد إن كان الانسان تافه أم لا، وبالرغم من هذا يمكن تقدير التفاهة علمياً من خلال بعض المؤشرات الواضحة، فمن ضمن هذه المؤشرات: طريقة الحديث، طبيعة ما يركز عليه الانسان، وكيف يتعامل مع القضايا المهمة، ومدى قدرته على التحليل والتفكير وتمييزه بين المظهر والجوهر، أو شديد الانشغال بالاستعراض والضجيج، وكذلك كثير الكلام وقليل المعنى، أو تهوين شأن القيمة والعلم والواجب، كل هذه العلامات تدل على ان هناك قدر من التفاهة في سلوكه.
تبرز مظاهر التفاهة في الانشغال بالصورة الخارجية، وتضخيم الأمور الصغيرة، وتكرار الكلام الشائع بلا فهم ووعي، وكذلك الحكم على الاخرين من خلال مظاهرهم، وفي كل القضايا يقوم التافه بتحويلها الى تسلية او جدل أو استعراض، ولا بد ان ننوه ان من المهم التنبيه ان الميل الى خفة الدم او حب الترفيه في بعض المواقف لا يعني ابدا الوقوع في التفاهة، فالناس الأسوياء يوازنون بين المرح والجد وبين العمق والراحة، أما التافه هو من يجعل السطحية أصلاً، والفراغ معيار والجد استثناء.
ونستطيع ان نعرف أن هذا الموضوع أو الامر تافه أم غير تافه من خلال القيمة الحقيقية له وأثره، لا من خلال شهرته بين الناس أو حجمه، فليس كل ام تافه صغير، كما أن ليس كل الأمور المشهورة مهمة، ويكون الامر تافه عندما يأخذ حجم أكبر من الاهتمام بدون أي فائدة واضحة، أو حتى معنى حقيقي، أو له أي اثر نافع في حياة الناس او محيطهم، أما اذا كان الامر يحقق المنفعة ويقدم إضافة مهمة او فهم، ويبني قيمة معينة للناس ، فليس تافه مهما بدا بسيطاً، والعبرة هنا لا تكمن في الامر نفسه بل أيضا في طريقة تعامل الناس معه، لأن الامر عادي يتحول الى تافه اذا بالغ الناس في الانشغال به وتضخيمه على حساب ما هو اجدى واهم، ولذلك فأن الحكم على الأمور بتفاهتها لا تحتاج الى النظر في معانيها وثرها وفائدتها ومقدار ما يأخذه من اهتمام.
وعليه، يمكننا القول أن قياس التفاهة بصورة تقريباً هو مدى اختلال سلم الأولويات لدى الناس، وارتفاع قيمة الفراغ وانخفاض قيمة المهم والنافع، تزيد من درجة التفاهة في التفكير والسلوك، وعلاج التفاهة لا يمكن أن يكون بإدانة الناس أو احتقارهم، وإنما بإعادة الاعتبار للمعاني وتربية الذات على التفكر وتحسين الذوق الفكري وإعطاء كل أمر حجمه المستحق وتقييمه بما يناسبه حجمه الحقيقي.
Insta: @Duwaihees
Email: [email protected]



