رجل أحب الكويت .. سيف مرزوق الشملان: مؤرخ الكويت وأمين ذاكرتها

يزخر تاريخ الكويت بالعديد من الرجال الذين تفتخر بهم أي دولة ينتمون إليها؛ فقد شربوا حب الكويت مع حليب أمهاتهم. ومن بين هؤلاء من حالفه الحظ فذُكر في كتب التاريخ وخُلّد اسمه، ومنهم من تناقلته الأجيال عبر الأحاديث من جيل إلى جيل. ومن بين هؤلاء وهؤلاء، يبرز اسم شخصية استحقت أن تُذكر وتُخلّد في التاريخ الكويتي، وهو سيف مرزوق الشملان.
الجذور والنشأة في قلب الكويت القديمة
وبالحديث عن بداياته، فقد وُلد مؤرخنا في حي “شرق” من مدينة الكويت في شهر أبريل عام 1927م، وتحديداً في “فريج الشملان”، في بيت جده شملان بن علي السيف، بجوار بيوت عائلات بورسلي والرومي واللوغاني. وقد تأثرت طفولته كثيراً بمشاهدة رحلات الغوص في المغاصات، حيث شاهد السفن تملأ سواحل الكويت، وتأثر بمنظر البحارة وأغانيهم، خاصة أن مهنة الغوص كانت هي العمل الأساسي لأفراد أسرته.
أما فيما يخص مسيرته التعليمية، فقد تلقى الشملان تعليمه في الكويت، فدرس أولاً في مدرسة “السعادة” التي أسسها جده وجعلها بالمجان لمن أراد التعلم، ثم انتقل إلى مدرسة عبد الله عبد اللطيف العثمان في “سكة ابن دعيج” التي تعلم فيها مبادئ القراءة والكتابة. وبسبب شغفه بالعلم، التحق بمدرسة “المباركية” وحصل منها على الشهادة الثانوية عام 1952م. وقد كان محباً لمواد التاريخ والدين واللغة العربية، ومتفوقاً فيها؛ ويعود ذلك إلى شغفه بقراءة كتب هذه المجالات منذ صغره.
الحياة العملية وشغف التوثيق
وعلى الصعيد المهني، بدأ حياته العملية في وزارة الصحة عام 1953م حيث عمل موظفاً فيها حتى تقاعده. وبموازاة ذلك، أصبح عضواً في رابطة الأدباء، مما أتاح له نشر العديد من المقالات والأبحاث في الصحف والمجلات الثقافية والأدبية الكويتية، ليتوج مسيرته بالحصول على جائزة الدولة التقديرية عام 2000م.
وعلاوة على ذلك، اهتم الشملان بتوثيق أحداث التاريخ الكويتي من خلال الأحاديث واللقاءات الحية مع كبار السن، مما أضفى مصداقية كبيرة على أعماله. كما أسس “متحف الشملان”، وهو متحف شعبي افتتحه في شهر مارس عام 1972م. ورغم تضرر متحفه الواقع في “أم الهيمان” أثناء الغزو العراقي، إلا أن متحفه في منطقة “الدعية” ظل صامداً بما يحويه من مقتنيات أثرية كالأواني والعملات القديمة. وكانت لبنة هذا التأسيس من إرث عائلي يعود لوالدته، ثم جمع مقتنياته من رحلاته إلى أماكن مختلفة مثل: بومبي، وأوروبا الشرقية، ولندن، وإسطنبول، ولبنان، والبحرين، وإيران (وخاصة أصفهان)، ورغم تكلفتها العالية، إلا أنها كانت تمثل له متعة وقيمة تاريخية عظيمة.
رسالة المؤرخ وأمانة الكلمة
وفي سياق نشاطه الإعلامي، قدّم الشملان برنامجاً تلفزيونياً بعنوان “صفحات من تاريخ الكويت”، بدأ تسجيله عام 1964م وظهر عام 1966م، حيث استضاف فيه كبار السن للحديث عن تاريخ الكويت في البر والبحر والعادات والتقاليد، متناولاً موضوعات مثل: معركة الصريف، واللهجة الكويتية القديمة، وسور الكويت، وأسماء أعلام لم يُسلط الضوء عليها من قبل.
ومن الجدير بالذكر، أنه كان مولعاً بالصور التاريخية ويرى أنها تغني عن الشرح، كما كان يحب صيد طائر الحبارى. وقد أكد الشملان دائماً أن كتابة التاريخ مسؤولية كبيرة وأمانة ثقيلة، ونصح المؤرخين بضرورة تحري الدقة والابتعاد عن العاطفة والميول الشخصية، مشيراً إلى صعوبة إرضاء الجميع عند كتابة التاريخ. كما أعرب عن حزنه لغياب العنصر النسائي في برنامجه، باستثناء “أم سعود” زوجة ديكسون، التي قام بطباعة مذكراتها على نفقته الخاصة.
نتاج فكري يخلد التراث
وبالانتقال إلى مؤلفاته الأدبية، نجد أن الشملان ترك مكتبة ثرية تعكس حبه لوطنه، ومنها:
- كتاب “من تاريخ الكويت”: الذي تناول فيه تاريخ الكويت وتطورها من مجتمع بسيط إلى دولة حديثة، وكانت كل كلمة ذكرها موثقة بدقة.
- كتاب “تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي”: تكلم فيه عن مهنة الغوص ومعاناة البحارة في رحلة البحث عن اللؤلؤ، مستنداً إلى الكثير من الأحداث من أحاديث عائلته؛ لأن الغوص كانت مهنتهم الأساسية ومصدر رزقهم.
- كتاب “مواقع الكويت القديمة”: وصف فيه الكويت القديمة وأهمية موقعها في التجارة والحياة البحرية.
- كتاب “رحلته مع الكلمة”: بيّن فيه اهتمامه وحبه للكتابة ودوره في توثيق التراث الكويتي بأسلوبه الخاص.
- كتاب “ألعاب شعبية (الجزء الأول)”: تحدث فيه عن بعض الألعاب الشعبية، وعرض كيف انعكست على حياة الطفل الكويتي قديمًا، خصوصاً أنه عاصر هذه الألعاب ومارسها.
خاتمة ووفاء
وفي الختام، تميز أسلوب مؤرخنا بالمرونة والبساطة والتشويق، حيث كان يجذب المستمع بعفويته وصدقه التام. لقد كان مثالاً للمثقف المحب لوطنه والمخلص في عمله، وهذا ما دعاني إلى كتابة هذه المقالة بعد دراستي لمقرر تاريخ الكويت في كليتنا، فشوقني لهذه الشخصية التي تفتخر الكويت بأمثالها.
لقد أثبت مقولة: “الأبطال لا يحملون بندقية، إنما القلم”، ومقولة: “القلم أقوى من السيف”. إنه سيف مرزوق الشملان “رحمه الله”، صاحب الكلمة الصادقة؛ الذي أثبت أن الأبطال لا يحملون البنادق فحسب، بل يحملون الأقلام أيضاً؛ فالبندقية قد تحمي الأرض، لكن القلم هو من يخلّد ذكرى من عليها.
إعداد الطالبة: عزيزه الهاجري، إشراف: د. مبارك جازع
قسم الإدارة والعلوم الاجتماعية كلية الكويت للعلوم والتكنولوجيا




