كتاب أكاديميا

تجويد التعليم فشل التطبيق ام ضعف التصميم؟! | بقلم: د. حمود العبدلي

عندما تواجه مبادرات إصلاح التعليم عموماً، او عمليات تجويده فشلاً في تحقيق أهدافها، فإن التشخيص الأكثر شيوعًا الذي يقدمه العاملون عليها ان المبادرة كانت مُحكَمة…. ولكن! المشكلة في التطبيق.

هذا التشخيص يلقي باللوم على البيروقراطية المتجذرة في وزارات التعليم التي تُبَطئ من وتيرة العمل، أو مقاومة المعلمين، أو عدم كفاية التدريب أو ضعف البنية التحتية، او… او…الخ؛ وهي مبررات معدة مسبقاً حتى قبل ان تبدأ عمليات الإصلاح او التجويد يدركها العاملون عليها عادةً بحكم خبرتهم بنظرية النظم؛ باتوا يستخدمونها بصورة متكررة كمخرج تقليدي معتاد يبرر فشلهم، وهذا ما يطمئنهم ويجعلهم يعملون بجرأة وثقة؛ فمهما كان الفشل فإن المبرر موجود في نهاية النفق يخرجهم من الحرج والمسألة الأخلاقية والقانونية، ويعفيهم من المسئولية، مع ان هذا مجرد فخ فكري وسياج برجماتي يضعنا فيه هؤلاء القوم يمنعنا من رؤية المشكلة الأعمق، إضافة إلا ان هذا التبرير يستند لرأي معلب جاهز معد مسبقاً ولا يستند لأي دراسة تقويمية كمية او كيفية.

إذا تجاوزنا الجدل حول التطبيق – وهو جدل في الحقيقة لا يجب ان يكون قائماً لإنه تجاوزه الزمن والخبرات الميدانية والبحثية وإنما يصر من يضعه امامنا كجزء من فشله – فإن تشخيصاً أعمق وأكثر إزعاجاً هو الذي يجب ان يثار، وهو فشل التصميم منذ البداية للبرامج او للعمليات او للسياسة برمتها، هذا الفشل ينبع من ظاهرة نقل السياسات(Policy Transfer)، وهي عملية يتم من خلالها نسخ ولصق سياسات تعليمية ناجحة في سياق معين بحجة انها تجربة ناجحة، وتطبيقها في سياقاتنا المحلية دون فهم عميق للاختلافات المؤسسية والثقافية.

يقرر خبراء السياسات العامة بأن نجاح أي سياسة يعتمد بشكل كبير على ملاءمتها للسياق الذي تعمل فيه؛ إن السياسات التعليمية التي تنجح في دولة ما ليست ناجحة فقط بسبب تصميمها الداخلي، بل لأنها متجذرة في تاريخ وثقافة ومؤسسات تلك الدولة، وهذه هي النقطة الجوهرية التي تفتقده مبادراتنا وسياساتنا التعليمية.

إن النقل غير الواعي محكوم عليه بالفشل منذ البداية لأنه يفترض بشكل خاطئ أن العمليات او النماذج هي أداة تقنية محايدة يمكن أن تعمل في أي مكان، مثل أي جهاز كهربائي، بل وما يثير السخرية ان يقول أحد خبراء الجودة لقد “عملنا كوكتيل في تجربتنا من التجارب الناجحة” هكذا نصاً بكل ثقة. 

وبالتالي فإن الاكتفاء بهذا التشخيص وإلقاء اللوم الحصري على التطبيق هو حجة مريحة لصناع السياسات والجهات الدولية المانحة،لأنها تبرئ تصميم السياسة الأول من أي مسؤولية؛ إنها تحول فشلًا استراتيجيًا إلى مجرد مشكلة إدارية محلية (بيروقراطيه- تدريب معلمين …الخ).

هذا التشخيص السطحي المبسط بل ربما يوصف بالساذج عند الراسخون في العلم؛ يوضع كستار لمنع طرح الأسئلة الأعمق والأكثر إزعاجًا: هل كانت مبادرة اصلاح التعليم او عمليات الجودة هذه بتصميمها منذ البداية الذي اقرها ما يطلقون على أنفسهم خبراء هي الحل الصحيح لمشاكلنا التربوية من الأساس؟! والسؤال الآخر الأكثر احراجاً طالما هناك اعتراف بوجود هذه العوائق والعلم بها مسبقاً ماذا فُعِل لتتجاوزها قبل ان تبدأ؟ والأهم لماذا سُلِك الطريق الفاشل المعلوم عوائقه منذ البداية؟! ثم الرمي بالتهمة على التطبيق.

القصة ببساطة لا تكمن في فشل التطبيق، بل في ضعف التصميم الناتج عن نقل السياسات التربوية بشكل غير واعي من سياقات مختلفة تمامًا، مما يجعلها غير قابلة للتطبيق بشكل فعال من الأساس؛ إن التركيز المفرط على فشل التطبيق الذي يُراد ان يضعونا فيه يصرف انتباهنا عن المشكلة الحقيقية المتمثلة في براعة تصميم السياسات والمبادرات والعمليات منذ البداية.

فالتحديات التنفيذية على أهميتها ليست هي المرض نفسه، بل هي مجرد أعراض لمرض أعمق يتعلق بـ فشل التصميم الناتج عن استيراد نماذج وحلول بشكل غير واعي؛ لذلك قبل أن نسارع إلى إصلاح التطبيق بمزيد من التدريب والرقابة او حتى الإصلاحات القانونية التي يطالب بها البعض، يجب أن نتوقف ونتحقق مما إذا كان المخطط الهندسي اصلاً الذي نعمل عليه صالحًا من البداية…!

هذا يقودنا إلى استنتاج إن التشخيص السائد لفشل الإصلاحات التعليمية او عمليات جودة التعليم العالي؛ الذي يركز على فشل التطبيق هو تشخيص قاصر ومضلل، إنه يبقينا عالقين في حلقة مفرغة من محاولة تطبيق أفضل لنفس السياسات المستوردة التي أثبتت عدم ملاءمتها مرارًا وتكرارًا، إن الاستمرار في هذا المسار هو أشبه بمحاولة إصلاح سيارة معطلة عن طريق الضغط بقوة أكبر على دواسة الوقود؛مع ان المشكلة ليست في قوة الضغط، بل في أن المحرك نفسه معطوب.

وبهذا فإن التشخيص الحقيقي لفشل مبادرات اصلاح التعليم او عمليات الجودة ليس اننا لم نطبقها بشكل صحيح، بل انه لم يكن يجب أن نتبناها بهذا الشكل من الأساس. إن المشكلة ليست في قدرتنا على تنفيذ الخطة، بل في أن الخطة نفسها كانت مستوردة وغير متوافقة مع واقعنا. إن الاعتراف بهذا الفشل في التصميم هو الخطوة الأولى والضرورية للتحول من مجرد مستهلكين للسياسات التعليمية العالمية إلى منتجين لسياساتنا الخاصة التي تنبع من سياقنا وتخدم أهدافنا.

والمؤسف الذي يلاحظ بسبب تكرر عمليات الفشل وجر التعليم إلى الهاوية بتجارب تلو تجارب، دون وضع اليد على الألم والتشخيص الصحيح، وتكرار القاء اللوم على التطبيق؛ أصبح تعليمنا يتردى من سيء إلى أسوأ حتى وصل الكم إلى نتائج مذهلة. 

تشير نتائج حكومية محلية ودولية ان اقل من 7% من مواطنينا يلتحقوا بالتعليم العالي بغض النظر عن الكيف، فكم المتخرج منهم؟ والسؤال الأعمق وفقاً لدراسات على وزارة التخطيط ان تجريها؛ كم منهم التحق بسوق العمل في مجال تخصصه؟ والسؤال الذي تحته (وفقاً لنظرية راس المال البشري) للذي قُدر له الالتحاق بسوق العمل بتخصصه؛ كم المهارات الفعلية التي يمارسها في مجال عمله (علاقة ما يُدَرس بسوق العمل)؟ وبالتالي ننتقل لسؤال جوهري؛ كم حجم الهدر الاقتصادي الذي تعاني منه البلد سنوياً بسبب فجوة المهارات الهيكلية (Structural Skills Gap) واستنزاف العائد على الاستثمار في رأس المال البشري.

إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب شجاعة فكرية لإعادة تأطير السؤال الأساسي؛ فبدلاً من أن نبدأ بسؤال كيف يمكننا تطبيق هذا النموذج العالمي لتحول التعليم عموماً او أي جزء في النظام التعليمي بشكل أفضل؟ يجب أن نتراجع خطوة إلى الوراء ونسأل سؤالاً أكثر جذرية وأهمية: هل هذا النموذج، بتصميمه وافتراضاته المسبقة، وجذوره هو الشيء الصحيح للتطبيق في سياقنا من الأساس؟ هذا التحول في التساؤل هو جوهر الانتقال من عقلية المدير التي تركز على التنفيذ، إلى عقلية المهندس التي تركز على التصميم.

في التحليل النهائي، فإن فشل مبادراتنا المتكرر ليس فشلاً تقنيًا أو إداريًا في جوهره، بل هو فشل في التصميم التربوي المتجذر في السياق. إنه نتيجة مباشرة لتجاهل الاختلافات العميقة في الثقافة والمؤسسات والأهداف المجتمعية. إن الاعتراف بهذه الحقيقة، على الرغم من صعوبته، هو الخطوة الأولى والضرورية نحو بناء مسار مختلف وأكثر استدامة للتحول في التعليم، مسار يبدأ من فهم احتياجاتنا الخاصة بدلاً من محاولة التوافق مع أفضل الممارسات التي صممها الآخرون لمشاكلهم الخاصة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock