كتاب أكاديميا

تزوير النسب… حين يُباع الشرف مقابل الامتياز | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان


منذ القدم، عُرف العرب بحرصهم على حفظ الأنساب، وعدّوا ذلك من أعمدة المروءة والشرف، حتى قال أحد شعرائهم:
“ومن لم يُعِزّ نفسه في النسب، فلا عزّ له في النُّسَب.”
وكانوا يدققون في الأنساب كما يُدقق في العقود والعهود، ويسجلونها في دواوين، وينقلها الرواة جيلاً بعد جيل.
ومع انتشار الإسلام، ازداد هذا الحرص رسوخًا، حين جاء الشرع بالنهي الصريح عن انتساب المرء إلى غير أبيه، وتحذير النبي ﷺ في الحديث الصحيح:
“من ادّعى إلى غير أبيه وهو يعلم، فالجنة عليه حرام.”
لكن ما بالنا اليوم نشهد مشاهد التزوير في النسب، لا من غرباء عن ثقافتنا، بل من أبناء بيئتنا العربية، ممن استساغوا الكذب على الأصول وادعاء الانتماء لقبائل وعوائل لا تربطهم بها صلة؟ كيف وصل الحال إلى خلط الأنساب وتزوير الوثائق، لا لشيء إلا للحصول على امتياز وظيفي أو تسهيل مادي أو وضع اجتماعي مرموق؟
ومن خلال متابعتنا لنشاط وجهود وزارة الداخلية الكويتية، والذي عمليات تزوير واسعة النطاق في ملف الجنسية
يثير في النفس أكثر من مجرد الغضب: إنه جرس إنذار، يدعونا للتأمل في القيم التي بدأت تتآكل لصالح الطمع والانتهازية.
ولعل الأشد إيلامًا، أن هذه الجرائم تحدث في عصر العلم، والتوثيق، والمعرفة، حيث لا مجال للجهل، ولا عذر للتساهل في مسائل تمسّ كيان المجتمع وهويته. فكيف إذن بمن عاش قبل 200 عام، في زمن الفقر والتنازع، حيث كان التوثيق نادراً، والعصبيات في أوجها؟
لقد أحسنت وزارة الداخلية، ممثلة في معالي الشيخ فهد اليوسف، حين كشفت عن هذا الملف الشائك، وأعلنت صراحة أن الهوية الوطنية ليست سلعة للبيع، وأن التزوير في النسب لن يمر بلا حساب.
ختامًا، إن النسب شرف لا يُشترى ولا يُصنّع، ومن خان هذا الشرف لأجل منصب أو مال، فقد خسر الدنيا والآخرة.
ولتبقَ الكويت صافية نقية بهوية صادقة، لا يشوبها الكذب، ولا يلطخها التزوير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock