كتاب أكاديميا

الدكتورة سوزان إل كارامانيان تكتب: الحقوق في زمن فيروس كوفيد-19


الدوحة، 19 مايو 2020 – باتت القواعد التي تحكم أفراد المجتمع في حالة تغيّر مستمر بسبب فيروس كوفيد-19. فقبل أربعة أشهر فقط، ربما لم يكن بوسعنا أن نتخيل مجتمعًا يتميز بمتاجره المغلقة، وإجراءات التباعد الاجتماعي، وحتمية ارتداء الأقنعة الواقية. ومع ذلك، فقد طلبت العديد من الدول في جميع أنحاء العالم من سكانها تطبيق هذه التدابير، بل وأكثر من ذلك.
ومن القضايا الشاملة المتعلقة بتلك الإجراءات، النظر في دور الفرد بالمجتمع، عندما يكون وجود المجتمع أو بقاء مواطنيه على المحك. وفي مثل هذه الظروف، كيف لنا أن نفكر في الحقوق الفردية، مثل الحق في التجمع أو الانخراط في العمل؟ قد يبدو التركيز القائم على الحقوق أنانيًا، لا سيَّما عندما يُقدّم العاملون في مجال الرعاية الصحية، ومقدمو الإسعافات الأولية والأغذية الخدمات الأساسية ليعرضوا بذلك حياتهم للخطر. وبدلاً من ذلك، ألا ينبغي أن نركز على واجب كل فرد في البقاء بعيدًا عن الآخر بمسافةٍ كبيرةٍ؟ ولكن إطار الحقوق لا يزال يمثل توجهًا مناسبًا لا ينبغي إغفاله.
إن فهم الإطار القانوني المتبع في دولة قطر سيُمَكن الجميع من تقدير الإجراءات التي تتخذها الدولة وعلاقتها بالفرد. وبموجب الدستور القطري، تتمتع الدولة بسلطة تأمين البلاد. وتطالب المادة 5 من الدستور دولة قطر “بالحفاظ” على “أمنها واستقرارها”، بينما تطالب المادة 19 الدولة “بالحفاظ على ركائز المجتمع وضمان استتباب الأمن”. وتركز هذه المواد، في معظمها، أكثر على الأمن الإقليمي الشامل. ومع ذلك، فإن فيروس كوفيد-19 لا يعرف حدودًا، حيث أنه يشبه العدو الخفي.
وهناك المزيد من المواد التي تتحدث عن هذه النقطة، ومن بينها المادة 23، التي تشترط على الدولة “تعزيز الصحة العامة”، وتوفير وسائل للوقاية من “الأمراض والأوبئة”، وتوفير العلاج “وفقًا للقانون”. ويتوافق هذا الالتزام مع معاهدة رئيسية للأمم المتحدة دخلت دولة قطر طرفًا فيها، وهي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبموجب المادة 12 (1) من هذا العهد، تقر الدولة “بحق كل فرد في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية”. وبفضل مواردها وتخطيطها، كانت قطر في طليعة الدول التي كفلت إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية لمعالجة الأمراض المرتبطة بفيروس كوفيد-19.
وقد يبدأ التركيز القائم على الحقوق بفهم التزام الدولة بتوفير الرعاية الطبية وكفالة بيئة آمنة لكل شخص داخل الدولة. ومع ذلك، فإنه ينطوي على تأمين المزيد من الحقوق. والقضية الحاسمة، كما يتوقع المرء، هي توفير الوسائل اللازمة لكفالة مثل هذا الأمن. ويمكن ومن المحتمل أن يكون للحقوق الأخرى المكفولة بموجب الدستور، وكذلك الحقوق بموجب معاهدة ثانية رئيسية لحقوق الإنسان، أقرتها منظمة الأمم المتحدة، ودخلت دولة قطر طرفاً فيها، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تأثير كبير في هذا الصدد.
ويتميز الوضع الراهن بديناميكيته، وتأثره بالمتغيرات العلمية والمجتمعية غير المعروفة. وتُصعب بيئة عدم اليقين من مهمة رسم خطوط واضحة في كل حالة. ويضاف إلى ذلك حقيقة أن علماء القانون والفلاسفة قد أمضوا حياتهم في دراسة كيفية تحديد ومعالجة التوازن بين الحقوق الفردية ومطالب المجتمع. وقد تكون طريقة تفاعل الحريات والواجبات العديدة أثناء الجائحة واحدة من أكثر القضايا القانونية إثارة للاهتمام والتحدي في عصرنا هذا، أو على الأقل خلال السنوات القليلة القادمة.

  • تشغل الدكتورة سوزان كارامانيان منصب عميد كلية القانون بجامعة حمد بن خليفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock