كتاب أكاديميا

أسماء السكاف تكتب: الكرة الزجاجية الشفافة

 

حدَّثني بكل حماس عن طفولته وعن بيته وعن حيِّهم وعن طريق المدرسة الذي كان يسلكه يومياً، ثم لمعت عيناه عندَ ذكر جيرانه واستفاض بالكلام عنهم وعن ندرة وجودهم وعن مدى قربهم وعن الكم الهائل من الذكريات بينهم وحتى عن عصبية والدهم الممزوجة بشيءٍ من الحب، سألته عصبي وحنون؟؟ قال: لا تسألي فأنا نفسي لا أعرف كيف اجتمعت المتناقضات في ذلك الرجل، حتى شعرت بأنني ربما كنت جزءاً من تلك الطفولة لكثرة ما تخيلتها وعشتها مع حديثه.

يعيش مُحدثي الآن في بلدٍ بعيد، يعيشُ جسداً والروح لا زالت تحلق هناك في ذاك البلد الذي نشأ فيه، لازالت الذاكرة تحتفظ بأدق تفاصيل الأماكن والأشخاص الذين خالطهم في طفولته.

تغيرت نبرة الحديث وهو يتكلَّم وخَفَت الصوت عندما قال: في يومٍ من أيام عامي الماضي قررت أن أعود لأُجدد ذاكرتي وأُُنعشها، قررتُ أن أُكافئ روحي بزيارة لأحب مكان إلى قلبي في هذا العالم وطرت حاملاً كل هذا الكم من المشاعر والأشواق دون أن أُخبر أحداً فأنا أود مفاجأتهم، في طريقي تخيلت نظرات الدهشة والفرح تلمع بالأعين، وصلت ووضعت حقائبي وتوجهت فوراً لمنزل جيران الطفولة، إلى الجزء الأكبر من طفولتي، فتَحَت الباب خالتي ورحبت بي كأي ضيفٍ غريب !! أنا فلان يا خالة، أهلا أهلا حياك الله، وجاء بقية من كان في المنزل، سلم البعض وأكملوا طريقهم للخروج بعد أن جاملوني بالجلوس لدقائق، لملمتُ خيبتي وخرجت، إذا كل ما كنت أشعر به من مشاعر وأشواق وحنين كانت في قلبي وعقلي أنا فقط، لم تلمع العيون فرحاً برؤيتي كما تخيلت، لم يأخذني صديقي بالأحضان كما توقعت، لم تدعوني خالتي لآكل طبخها الشهي كما اعتادت لسنوات أن تفعل وتطهو ما أحب، أتُراها كانت تكذب عندما تقول بأنني ابنها السادس أم أن المشاعر بالبعد تموت، لم نجلس ونتذكر مواقفنا ومغامراتنا معاً، كل شيءٍ كان في عقلي فقط، ربما أنا شخصٌ عاطفي أو أنهم بلا مشاعر !! لا أدري ولكني ندمت على زيارتي كثيراً.

سمعت قصته وخرجت وأنا أتذكر بيني وبين نفسي اليوم الذي قررت فيه زيارة المخزن الذي كان يضع فيه والدي بضائعه، مخزن بارد كبييير جداً جميل ومنظم، الصناديق والكراتين والأكياس موضوعة بشكلٍ منسق منظم وكأنها مغارات وبيوتٌ صغيرة، كان المكان الأنسب والأمثل لِلَعبي مع إخوتي وأبناء عمي كل الألعاب التي تخطر على البال، مكان واسع ممتع مليء بالإشراق والحياة، استمر هكذا في بالي واحد من أجمل ذكرياتي إلى أن قررت في يومٍ ما الذهاب لرؤيته بعد أن كبرت، لم يعد المكان لنا منذ سنوات ولم نعد نمر في المنطقة أساسا، أوقفت سيارتي أمام نفس الباب ولكن ما باله صغُر كثيرا وتقلص، بعض العبارات المكتوبة على حائطه الخارجي لا زالت كما هي ولكن شيئاً ما تغير، دخلت وإذ به مكانٌ صغير ضيق لا تدخله الشمس لكيلا تخرب البضائع في الداخل، ممراته بين الصناديق لا تكاد تتسع لمرور شخصين معاً، كيف كانت تتسع وتتحمل كل هذا الركض واللعب والمغامرات؟ مُظلم بمصابيحه القديمة التي تأملتها لأجدها بنفس العدد لم تتغير ولم تخفت، كنتُ أراه في طفولتي مُضيئاً مُشعاً وكأن ألفَ مصباحٍ يشعون بداخله.

تمنيت لو لم أقم بتلك الزيارة لكيلا تتغير صورة من الصور الجميلة في ذاكرتي، أقرأ كثيراً وأحب قراءة كل شيءٍ يتعلق بفن المسافات مع الأشخاص ومع المواقف ومع الأحداث، أحب ترك مسافات أمان بيني وبين كل شيء لكيلا أصطدم به أو ربما لكيلا أتكل عليه، ولكن لم يخطر ببالي يوماً بأن مسافة الأمان مطلوبة أيضاً بيننا وبين ذاكرة طفولتنا.

الذاكرة تُصبح ككرة الزجاج وتَرِقُ وتُصبح حساسة جداً مع الزمن قابلة للخدش وللتهشم، تماماً كما حدث معي ومع من حكى لي قصته في البداية، فبإصرارٍ منا أحياناً نعود لنُحاول الدخول إلى تلك الكرة التي انغلقت إلى الأبد ولا يُمكن العودة لداخلها مهما حاولنا، ولكنها شفافة ونقية جداً تسمح لنا برؤية ما داخلها متى أردنا.

ما خَلَصتُ له مؤخراً أن نظرة وإحساس الأطفال في دواخلنا لا يمكن استعادته وتكراره مهما حدث لا لخطاٍ في ذواتنا ولكن باختصار لأن الأطفال أنقياء، أرواحٌ قطنية بيضاء، يرون الجمال في كل شيء ويستمتعون بكل شيء، لو أننا نستطيع الحفاظ على روح الطفولة بداخلنا لصار العالم أجمل وأسهل وأكثر متعة.

صناعة ذكريات الطفولة مهمة جداً، لو وعينا وانتبهنا لهذه النقطة لجعلنا كرات أطفالنا الزجاجية أكبر وأكثر اتساعاً ولنتذكر أنها لا زالت مفتوحة إلى الآن ولم تُغلق وأننا جزءٌ من ذاكرياتهم وماضيهم فما أجمل لو جعلنا منه ماضياً جميلاً حافلاً بالمشاعر والفرح والأحداث الممتعة، فكل موقفٍ يحدث الآن وكل كلمة تُقال وكل رحلة يقومون بها هي ما تصنع شخصياتهم وأفكارهم وقوتهم وحتى صلابتهم الداخلية التي سيحتاجونها مع مرور الزمن.

وليُجرب كل منكم أن يعود إلى كرته الزجاجية ولينفض عنها الغبار بلحظة هدوء واستجمام وخلوٍ بالذات مع فنجان قهوة وصمت وتأكدوا بأن الروح ستتجدد وستٌنهونَ قهوتكم وتقفون بحماس وطاقة ذلك الصغير الذي في داخلكم.

 

 

أسماء السكاف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock