كتاب أكاديميا

بين النشر والمعرفة: أين تتكوّن القيمة الحقيقية للبحث العلمي؟ | د. حمود العبدلي

مما يعلق في ذهني منذ سنوات؛ أنني قرأت — في توقيت متقارب — بحثًا منشورًا في مجلة محلية، وبحثًا آخر لأحد الزملاء في دولة مجاورة نُشر في مجلة تتبع إحدى دور النشر العالمية الشهيرة، نشر زميلي رابط بحثه على صفحته الشخصية مصحوبًا بفخر واضح، باعتباره نشر في مجلة (Open Access) تابعة لدار نشر مرموقة، كلفة النشر تجاوزت ثلاثة آلاف دولار تكفلت بها جامعته.

دفعني الفضول والترويج المكثف من زميلي إلى قراءته خصوصًا مع اشتراكنا في التخصص نفسه، وحين قارنت بين البحثين كانت النتيجة التي استقرت في ذهني مثيرة للغاية؛ إذ وجدت أن البحث المحلي كان أكثر تماسكًا من حيث المعايير البحثية الجوهرية -التي سأذكرها في هذا المقال- واكاد اجزم على الأقل على المستوى الأبستمولوجيا والميثودلوجي.

رسخت هذه التجربة لديّ قناعة بأن قيمة البحث لا تُستمد من اسم المجلة التي نُشر فيها، ولا من دار النشر التي تتبناه، ولا حتى من معامل التأثير الذي تحمله، بل من جودة الفعل البحثي ذاته، ومدى التزامه بمعايير البحث والكتابة العلمية، وعمق المعرفة التي ينتجها، وقدرته على النفاذ إلى الظاهرة المدروسة وتفسير بنيتها وعلاقاتها.

وبدى لي حينها ان نظام النشر العلمي العالمي أنتج نوعًا من الوهم المعرفي أصبحت معه القيمة العلمية تُقاس أحيانًا بمكان النشر أكثر من مضمون المنشور نفسه، وتحول الفعل البحثي إلى سباق نحو “الاعتماد المؤسسي” لا نحو إنتاج معرفة أكثر عمقًا، وفي ظل هذا التحول جرى تهميش كثير من المجلات الجامعية المحلية ليس في بلداننا فحسب بل حتى في بلدان أخرى لا تتحدث الإنجليزية لعبت الخوارزميات وآليات الفهرسة والتوصية دورًا بالغ التأثير في تكريس هذا التفاوت، وهي قضية أشرت إليها في منشورات سابقة.

والسؤال الجوهري الذي يجب ان يطرح في هذا الحال ماذا اضاف البحث إلى المعرفة الإنسانية؟ لا في أيُّ مجلة نُشر؟

فالقيمة الحقيقية للبحث لا يصنعها موقع النشر، بل المعايير التي تحكم الفعل البحثي نفسه؛ فكلما امتهنها الباحث بوعي وعمق، أنتج معرفة حقيقية — إنتاج معرفة لا مجرد تدوير لها — وكلما أتقنت المجلة تطبيق هذه المعايير، وأدركت هيئة تحريرها أهميتها، ووجدت المُراجع الكفؤ القادر على فهمها، ارتفع مستوى ما تنشره من أبحاث… من أهم هذه المعايير:

معايير الأبستمولوجيا: وهي المتعلقة بالبنية المعرفية ومستوى تفسيرها، وقدرة الباحث على تجاوز الوصف السطحي إلى الفهم المركب للعلاقات والمعاني والآليات؛ وما تفتقده كثير من الأبحاث المنشورة في بيئتنا هو عمق الفعل البحثي نفسه؛ إذ تكشف قراءتنا لكثير من الدراسات عن هشاشة بحثية تميل إلى تقليد أبحاث سابقة أو إعادة إنتاجها مع تغييرات محدودة في العينة أو المتغيرات أو بعض الجوانب النظرية، دون النفاذ إلى البنية العميقة للظاهرة.

سنلاحظ الفرق الأبستمولوجيا بين باحث يصل إلى نتيجة تقول: “ضعف التحصيل الدراسي سببه استخدام الهاتف”، وبين باحث آخر — يدرس الظاهرة نفسها — يصل إلى نتيجة أكثر تركيبًا وعمقًا: “لا يرتبط ضعف التحصيل باستخدام الهاتف بوصفه أداة بحد ذاته، بل بطريقة توظيفه، ونمط الانتباه الذي يعيد تشكيله، والبيئة التعليمية المحيطة بالمستخدم”.

الأول قدّم تفسيرًا خطيًا مباشرًا: أما الثاني فقد كشف شبكة العلاقات التي تنتج الظاهرة، وهنا تتفاوت قوة المجلات وهيئات التحكيم بقدرتها على إدراك درجات العمق الأبستمولوجيا التي يقدمها الباحث، وهو ما يحدد — في جانب مهم — قيمة البحث وقابليته للقبول، والمنفعة الاجتماعية والإنسانية.

 

 

معايير الأنطولوجيا: وهي المتعلقة بقدرة الباحث على فهم طبيعة الظاهرة التي يدرسها، وحدودها وبنيتها ودرجة تعقيدها، وكلما تمكن الباحث من كينونة موضوعه، كان أكثر استبصارًا بالعلاقات العميقة التي تُنتج الظاهرة، وأكثر قدرة على التمييز بين ما هو جوهري وما هو عَرَضي فيها؛ وبالتالي أكثر قدرة على الوصول إلى نتائج تفسيرية مركبة لا تكتفي بوصف الظاهرة، بل تكشف بنيتها وآليات تشكلها.

فعلى سبيل المثال: قد يتعامل باحث مع “ضعف المشاركة الصفية” بوصفه دليلًا على ضعف دافعية الطالب، بينما قد يرى الباحث الأعمق أنطولوجيًا أن الصمت داخل الصف قد يرتبط بثقافة تعليمية قائمة على التلقي، أو بالخوف من الخطأ، أو بطبيعة العلاقة السلطوية بين المعلم والطالب، أو بطريقة تنظيم البيئة الصفية نفسها.

وهنا يظهر بوضوح نوع المعرفة التي ينتجها العمق الأنطولوجي للباحث؛ فكلما اتسعت رؤيته لطبيعة الظاهرة أصبح أكثر قدرة على تفسيرها بوصفها بنية مركبة لا مجرد سلوك أو نتيجة معزولة.

معايير الميثودلوجيا: وهي المتعلقة بقدرة الباحث على بناء منهج قادر فعلًا على اختراق الظاهرة، لا مجرد تطبيق إجراءات شكلية، هذا المعيار على وجه الخصوص يعاني بشدة من ضعف قدرة الباحث على بناء المنهج المناسب لبحثه؛ إذ أصبحت كثير من الأبحاث — إن جاز التعبير — “مُمَيكنة” مجرد خطوات آلية يتبعها الباحث ظنًا منه أنها تمثل منهجًا علميًا يقوده إلى الحقيقة. 

فعلى سبيل المثال شاع في بعض مجالات الدراسات الإنسانية وعلى وجه الخصوص في الدراسات الكمية نموذج يكاد يتكرر بصورة مملة: (استبيان ←تحليل إحصائي ←نتائج)، وفي الأبحاث التجريبية وشبه التجريبية التي تقارن المتغيرات لم اقرأ منذ ما يزيد عن ربع قرن عن تفوق المتغير التابع الذي لا يتبناه الباحث، حتى بات بالإمكان أحيانًا توقع بنية البحث ونتائجه قبل قراءته.

وفي ظني أن الضعف في هذا المعيار مرده إلى ضعف تمكن الباحث من نظرية المعرفة، وعلى وجه الخصوص البعد الأنطولوجي المتعلق بفهم طبيعة الظاهرة ذاتها؛ فالظواهر الإنسانية ليست دائمًا قابلة للاختزال في أرقام أو استجابات مغلقة؛ بل هي ظواهر مركبة تتداخل فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية بصورة تتجاوز التبسيط الإجرائي الذي تفرضه بعض المناهج العاجزة.

معايير الأكسيولوجيا: وهي المتعلقة بقيمة المعرفة التي ينتجها البحث، ومدى أهميتها وقدرتها على إضافة معنى جديد؛ فبعض الأبحاث لا تتجاوز كونها تكرارًا منظمًا لما قيل سابقًا، بينما تكمن قيمة البحث الحقيقي في قدرته على إعادة تعريف المشكلة، أو فتح أفق تفسيري جديد، أو تقديم زاوية نظر مختلفة.

فقد يخبرنا باحث ان: “السبب الرئيس للتسرب هو ضعف الدخل المادي للطلاب” بينما يصل باحث آخر إلى بناء أكسيولوجي أعمق: “لا يرتبط التسرب الجامعي بالعجز الاقتصادي وحده، بل بشعور الطالب بانعدام الجدوى الاجتماعية للتعليم، وضعف الإحساس بأن الجامعة تمثل أفقًا حقيقيًا للترقي والاعتراف داخل المجتمع”.

الأول قدّم معلومة متوقعة ومعروفة سلفًا، أما الثاني فقد كشف بُعدًا قيميًا ومعنويًا يعيد فهم الظاهرة نفسها، وينقل البحث من مجرد وصف الأسباب الظاهرة إلى تفسير البنية القيمية التي تنتج المشكلة.

المعايير الخطابية والتواصلية: وهي المتعلقة بقدرة الباحث على التعبير عن أفكاره بوضوح ودقة وتنظيم وسهوله، فبعض الكتابات الأكاديمية تعاني تضخمًا لغويًا وغموضًا يوهم بالعمق، بينما العمق الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى لغة معقدة، بل إلى وضوح وسيطرة على المفهوم؛ الباحث العميق يستطيع أن يشرح أكثر الأفكار تعقيدًا بلغة واضحة دون أن يفقدها عمقها.

فباحث يمكن ان يقول: “تتجلى الإشكالية في إطار جدلية إبستيمولوجيةتتداخل فيها البنى المعرفية مع التشكلات السوسيو–ثقافية في سياقها التاريخي المتحول” بينما يعبر باحث آخر عن الفكرة نفسها بوضوح أدق: “تتغير طريقة فهم الظاهرة بحسب السياق الاجتماعي والثقافي الذي تُدرس فيه، مما يؤثر على شكل المعرفة الناتجة عنها”.

الأول قد يوحي بالعمق عبر كثافة لغوية، لكنه يخلق حاجزًا بين الفكرة والقارئ، أما الثاني فقد حافظ على العمق ذاته، لكنه نقله بصورة مباشرة ومفهومة دون فقدان المعنى أو تبسيطه بشكل مُخل.

إذن القضية الجوهرية التي من المحتم أن يدركها الباحث هي: ألا يتحول الفعل البحثي إلى ممارسة شكلية هدفها إنتاج ورقة قابلة للنشر، بقدر ما هو سعيٌ لإنتاج معرفة قابلة للبقاء والتأثير، فالبحث العلمي ليس سباقًا في مسارات النشر ولا معركةً مع المجلات، بل هو في جوهره فعل معرفي غايته فهم العالم وإعادة تفسيره والمساهمة في حل مشكلاته، وعندما يُختزل البحث في منطق النشر نفقد ببطء روحه الأصلية بوصفه أداة لإنتاج المعرفة وخدمة الإنسان والمجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock