مغالطة رجل القش | بقلم: أ.مشعل الدويهيس

قـٌصاصات
من أكثر المغالطات المنطقية شيوعاً في النقاشات هي مغالطة رجل القش، تظهر غالباً في النقاشات الإعلامية والفكرية والسياسية، تقوم هذه الفكرة على تحريف الرأي الآخر او تشويهه ثم مهاجمة الرأي المشوه وليس مقارعة الحجة الاصلية ودحضها، وبهذه الطريقة يبدو وكأن صاحب المغالطة قد أنتصر على خصمه في النقاش، بينما في الواقع هو لم يتعامل اساساً مع الفكرة الاصلية.
مصطلح رجل القش (Straw Man) ظهر في اللغة الإنجليزية بوصفه تعبير مجازي، وذلك في أواخر القرن التاسع عشر، في البداية كان يستخدم للدلالة على ضعف الحجة او وهمية يسهل اسقاطها، بتشبيهها بالدمى المصنوعة من القش لأنها لا تمتلك القوة الحقيقية للمقاومة، ظهور المصطلح في البداية لم يكن محصوراً ومرتبطاً بالمغالطات المنطقية، وإنما استعماله كان بشكل عام يوصف به أي موقف أو خصم مصطنع يبنى بغرض تحقيق الانتصار سهل، ومع تطور الدراسات المنطقية في القرن العشرين، استقر هذا المصطلح في مجال المنطق النقدي والفلسفة ليحدد مغالطة تقوم على تشويه حجة الخصم وبعد ذلك مهاجمتها بدل مناقشة الرأي الأصلي، ومنذ ذلك الحين، صار مصطلح رجل القش شائع في تحليل الخطاب الإعلامي والسياسي وكذلك النقاشات العامة كوصف بازر لأساليب الجدل غير المنصف.
تحدث مغالطة رجل القش في النقاشات بالطريقة التالية، يقوم احد الأطراف بتبسيط رأي خصمه بشكل مبالغ فيه او مخل، او ينسب له فكرة لم يقلها في الأصل، على سبيل المثال، اذا قال الشخص ” يجب على الوالدين تحديد وتنظيم وقت استخدام أطفالهم للأجهزة الذكية” فيرد عليه بالقول ” انت تريد ان يتخلف الجيل الجديد وذلك بحرمانهم من التكنولوجيا واعادتهم للعصر الحجري”، هذا الرد يعد مثال واضح على مغالطة رجل القش، لأنه يهاجم موقف لم يذكر او يطرح في الأصل.
غالباً من يستخدم هذه المغالطة هم أشخاص يسعون إلى كسب النقاشات لا إلى فهم الحقيقة، ومن يفتقرون الى الحجج القوية، والمتعصبين في أراءهم، كما تظهر بوضوح في الخطابات الإعلامية والسياسية احياناً، يتم فيها إعادة صياغة مواقف الخصوم بطرق توهم الجمهور أو تسهل من مهاجمتهم، وفي بعض الحالات، يقع فيها الأشخاص بدون قصد نتيجة ضعف مهارات الحوار او سوء الفهم.
حتى نتفادى الوقوع ضحايا لهذه المغالطة، مهم جداً أن نحرص على توضيح رأينا بدقة منذ البداية، وان نستخدم عبارات واضحة ومحددة تقلل من احتمالات التأويل الخاطئ، وعندما نتعرض لها، من الأفضل أن يكون الرد بهدوء عبر تصحيح الفكرة المشوّهة، وإعادة ذكر الرأي والموقف الأصلي بكل وضوح، ويمكننا ايضاً أن نطلب من الطرف الآخر بالاستشهاد بنص صريح يبرر فهمه، وتنبيهه بلط إلى ان ما يقوم بطرحه لا يمثل الرأي الحقيقي.
أما في التعامل مع من يصرّ على استخدام مغالطة رجل القش، فإن الاستمرار في الحوار قد يكون غير مجدٍ. ففي هذه الحالة، يكون من الحكمة إنهاء النقاش بأسلوب محترم، حفاظًا على قيمة الحوار ووقته. إن الوعي بهذه المغالطة لا يحمي الفرد من التضليل فحسب، بل يسهم أيضًا في ترسيخ ثقافة نقاش قائمة على النزاهة الفكرية واحترام الرأي الآخر.
أما مع من يصر على استخدام مغالطة رجل القش فإن التعامل معه واستمرار الحوار قد يكون من دون فائدة، في هذه الحالة من الحكمة أن ينهى النقاش بأسلوب لبق ومحترم، محافظ فيها على قيمة الحوار ووقته، والوعي بهذه المغالطة لا يحمي الافراد من التضليل فحسب، وإنما يساهم في ترسيخ ثقافة النقاش القائمة على احترام الرأي الآخر والنزاهة الفكرية.
Insta: @Duwaihees
Email: [email protected]


