كتاب أكاديميا

دعونا نرفع الغطاء عن المحرك لنرى كيف يعمل: أسلحة الدمار الرقمي [3] | بقلم: د. حمود العبدلي

كيف تحوّل الخوارزميات مدارسنا إلى ساحات معركة خفية

الموضوعية الخوارزمية هو الوعد الأكثر إغراءً في القرن الحادي والعشرينالذي يتم تسويقه؛ قيل لنا إن القرارات التعليمية الأكثر حساسية -من هو الطالب الذي يجب قبوله في الجامعة، ومن هو المعلم الذي يستحق الترقية، ومن هو الطفل المعرض لخطر الفشل…الخ- يمكن تحريرها من التحيزات البشرية الذاتية وغير الموثوقة، لقد تم تسويق الخوارزميات كـ قضاة محايدين يرون الأرقام فقط ويحكمون بناءً على الأدلة النقية ويعدون ببناء نظام جدارة (Meritocracy) حقيقي لأول مرة في التاريخ،إنها رؤية قوية يتم استبدال فوضى الحكم الإنساني بنظام رياضي نظيف وعادل ومنظم.

لكن …! هذه الرؤية التي تبدو جذابة هي في الواقع الوعد الأكثر خداعًاالذي يخفي خلفه حقيقة أعمق وأكثر إثارة للقلق، فهذه الأدوات التي تعد بالقضاء على التحيز هي في الواقع أكثر أشكال التحيز سواًءوديمومة، فهي لا تقضي على التحيزات البشرية بل تأخذها وتغسلها بلغة الرياضيات الموضوعية ثم تعيد نشرها على نطاق واسع كـ حقيقة علمية،فهي تحول التحيز من خطأ بشري يمكن تحديه ومساءلته إلى نتيجة خوارزمية تبدو وكأنها حتمية لا يمكن الجدال فيها؛ وهذا هو جوهر سلاح الدمار الرقمي فهو لا يهاجم بالقوة بل يهاجم بـ شرعيته الزائفة ويقنعنا بأن الظلم الذي ينتجه هو مجرد انعكاس محايد للعالم.

هذه الشرعية الزائفة ليست مجرد خطر نظري بل هي تتجسد في ترسانة متكاملة من أسلحة الدمار الرقمي التي يتم نشرها بالفعل في أنظمةالتعليم، وكل سلاح في هذه الترسانة يهاجم ركنًا أساسيًا مختلفًا من أركان العملية التربوية الهادفة، من الفرص إلى الممارسة إلى الفكر نفسه.

السلاح الأول: خوارزميات الفرز الاجتماعي (Algorithmic Social Sorting) هذه هي الأنظمة التي تستخدم لاتخاذ قرارات عالية المخاطر مثل القبول الجامعي أو تقييم أداء المعلمين؛ على السطح تبدو هذه الأنظمة موضوعية حيث تحلل آلاف نقاط البيانات للتنبؤ بالنجاح، لكن في الواقع ونظرًا لغياب بيانات حقيقية عن الجدارة أو الإمكانات فهي تعتمد على متغيرات وكيلة (proxy variables) مثل الرمز البريدي، أو المدرسة الثانوية التي تخرج منها الطالب، أو الكلمات المفتاحية في سيرته الذاتية؛النتيجة؟! الخوارزمية لا تقيس الجدارة الفردية، بل تقوم بـ أتمتة الامتيازات الطبقية؛ إنها تتعلم أن تربط النجاح بالعلامات الدالة على الثروة والطبقة الاجتماعية، وتعيد إنتاج هذه التحيزات الهيكلية كـ درجة موضوعية، مما يخلق نظام طبقي رقمي (digital caste system) يضفي شرعية على اللامساواة ويجعل الحراك الاجتماعي أكثر صعوبة.

السلاح الثاني: هو أنظمة الإدارة البيداغوجية الاستباقية (Proactive Pedagogical Management Systems) تمثلها أنظمة تحليلات التعلم التي لا تتنبأ بالفشل فحسب، بل تتدخل بشكل استباقي لتوجيه سلوك المعلم، قد يرسل النظام تنبيهًا للمعلم: الطالب ‘س’ لم يتفاعل لمدة 5 دقائق قم بتوجيه سؤال له، أو أنت تقضي وقتًا أطول من المتوسط في شرح هذا المفهوم انتقل للنقطة التالية؛ على السطح يبدو هذا دعمًا للمعلم لكن في الواقع إنه ينفذ عملية إفقار مهارات (de-skilling) منهجية، إنه يقوض الحكم المهني للمعلم وقدرته على قراءة السياق الإنساني المعقد للفصل الدراسي ويحوله إلى مجرد منفذ للتوصيات الخوارزمية، إنه لا يعزز ذكاء المعلم بل يستبدله ويدمر فن التدريس الذي يعتمد على الحدس والعلاقة الإنسانية، ويحول المعلم لآلة تنفذ حكم الآلة بعيد عن سياق التعليم الإنساني بكل ما فيه من متعة وتفاعل واخطاء وتصويبات هي خلاصاتالخاصية البشرية.

 

السلاح الثالث: والأخطر وجوديًا هو تقنيات فك التشفير العصبي(Neural Decoding Technologies) هذه هي التقنيات الناشئة التي لم تعد تكتفي بتحليل سلوكنا الرقمي، بل تعد بقياس حالتنا الداخلية مباشرة تشمل هذه التقنيات واجهات الدماغ والحاسوب (BCIs)، أو أنظمة تتبع حركة العين، أو حتى تحليل تعابير الوجه، التي يُزعم أنها تستطيع قياس الانتباه والفهم، والحالة المعرفية للطالب في الوقت الفعلي؛على السطح هذا هو الحلم النهائي للتعليم المخصص لكن في الواقع إنه يمثل الهجوم النهائي على المساحة الداخلية للعقل، إنه يحول التفكير نفسه إلى بيانات قابلة للمراقبة والتحسين، ويلغي الحق في الشرود الذهني، والحق في التفكير البطيء، والحق في أن تكون مرتبكًا إنه يهدد بالقضاء على آخر مساحة خاصة وحرة متبقية للمتعلم: “عقله”، إنه يعد بفتح الصندوق الأسود لعملية التعلم، لكنه وعد سطحي شديد السذاجة معتمد على الانفعالات الظاهرية التي يحولها إلى بيانات قابلة للمعالجة والحكم، وليس على العمليات المعقدة التي تجري داخل الدماغ.

إن انتشار هذه الترسانة الخطيرة من أسلحة الدمار الرقمي لم يكن ليحدث لولا وجود مصنع أيديولوجي متطور ينتج الحجج الخادعة لتسويقها، ثم يتلقفها صناع القرار بانبهار دون وعي نقدي كافي لما يختبئ خلفها؛ يتم تبرير خوارزميات الفرز الاجتماعي باسم الكفاءة، بينما هي في الواقع تؤتمت اللامساواة، ويتم تبرير أنظمة الإدارة البيداغوجية باسم دعم المعلم، بينما هي في الواقع تقوض حكمه المهني؛ والأخطر من ذلك يتم تبرير تقنيات فك التشفير العصبي باسم الفهم العميق للعقل وفتح الصندوق الأسود لعملية التعلم، بينما هي في الواقع هجوم على آخر مساحة للحرية الداخلية، إنها لغة مزدوجة متقنة تستخدم خطاب التمكين لتبرير أدوات السيطرة.

والخلاصة هي أن وراء كل تقنية تعد بالخلاص او وعد مغري بتحقيق هدف او مبدئ تربوي لطالما حلم به المربون، قد تختبئ كارثة تربوية محتملة تفرض على الباحثين والمفكرين والمربين واجب كشفها بشكل استباقي؛ فالهدف من تحليل أسلحة الدمار الرقمي ليس إثارة الخوف من التكنولوجيا في حد ذاتها بل هو دعوة إلى فحص نقدي للطريقة التي تُستخدم بها والتي قد تجرد التعليم من إنسانيته، فالمشكلة الجوهرية لا تكمن في البيانات أو الخوارزميات بل في القيم التي توجه تصميمها وتطبيقها: قيم السيطرة والكفاءة والربح التي غالبًا ما تطغى على قيم التحرير والنمو الإنساني والعدالة، إن مواجهة هذا الخطر لا تتطلب إصلاحات سطحية بل تتطلب إعادة توجيه استراتيجي لمسار الابتكار التكنولوجي في التعليم.

هذا يتطلب النظر بجدية في طريقة استخدام التقنيات الأكثر خطورة مثل خوارزميات الفرز الاجتماعي وتقنيات فك التشفير العصبي، ليس كرفض للتكنولوجيا بل كإجراء مسؤول لإتاحة الوقت لوضع أطر تنظيمية منظمة تدرك مخاطرها، فلا يمكن القبول بأن تكون مدارسنا مختبرات غير منظمة لتجربة أخطر أنواع الفتك الرقمي على أطفالنا.

لكن هذه الوقفة التنظيمية وحدها لا تكفي يجب أن تكون مصحوبة بـأساس فلسفي يعيد تعريف الابتكار في تكنولوجيا التعليم تحول صناع السياسات والمستثمرين والمربين من تركيزهم على النموذج المهيمن الذي يركز على المراقبة والتصنيف، إلى دعم وبناء تكنولوجيا التعاون التي تدعم الحكم المهني للمعلم وتعزز وكالة المتعلم، نحن بحاجة إلى تحليلات تعلم من أجل تحرير العقل وبناء التفكير النقدي والمواطنة المسئولة، لا تحليلات تعلم من أجل السيطرة.

إن هذا ليس مجرد نقاش تقني بقدر ما هو صراع على روح التعليم؛فالسؤال الجوهري ليس كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل هو سؤال أعمق بكثير: أي نوع من البشر نريد أن نصبح في عصر الآلة الذكية؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا يمكن أن تأتي من خوارزمية في وادي السيليكون؛ بل يجب أن تأتي من حوار إنساني عميق حول الغرض من تعليمنا، إن لم يتم الإجابة عليه بدقة فإن البشرية ستصحو يوماً على عبادة الشيطان الأكبر في وادي السليكون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock