الأسطورة الأيديولوجية لوادي السيليكون: درع الاستعمار الرقمي الجديد | بقلم: د. حمود العبدلي
لم يعتمد الاستعمار الرقمي الجديد على السياسة والاقتصاد في فرض هيمنته فحسب بل الأخطر والأشد عمقاً انه اعتمد الإيديولوجيا درع حصين لاستعماره اخترق بها حتى الطبقات العليا من المجتمع بما فيها مجتمع الباحثين بما يمتلكوا من فكر ناقد او هكذا يفترض ان يكونوا، وتغريهم الأدبيات والتقارير والأبحاث الصادرة من مؤسسات عريقة مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، المنتدى الاقتصادي العالمي(WEF)اليونسكو، البنك الدولي … وغيرها من المؤسسات التي تملك سلطة معرفية وتأثيرًا ثقافيًا عالميًا، لتدعيم حججهم البحثية، دون مساءلة نواياها أو تفكيك خطابها؛ بينما هي تساعد في صناعة الاستعمار الجديد بصوره هادئة دون أي استشعار من هذه الطبقاتالمأمول فيهم تنوير مجتمعاتهم وعدم التسليم بمخرجات هذه الجهات كحقائق مسلم بها؛ ربما يعود هذا لضعف القدرة البحثية او تضارب المصالح، وفي ظني ان الأولى تخص البلاد العربية بشكل كبير، وهكذا يتحول الباحث إلى وسيط غير واعٍ، يستند في تحليلاته ومشاريعه إلى وثائق وتقارير تُعيد إنتاج بنية استعمارية ناعمة: تُشرعن احتكار المعرفة، وتُقصي نماذج التنمية البديلة، وتُدجّن الوعي النقدي المحلي.
الوظيفة النهائية لأسطورة وادي السيليكون بكل مكوناتها المتشابكة – من أيقونة المبتكر الفردي، إلى ثلاثية القيم الحاكمة، إلى آلات النشر الثقافي – ليست ترفاً فكرياً بل هي عملية سياسية واقتصادية متطورة تعمل كغطاء أيديولوجي فعال ومتقن مصمم خصيصاً لإعادة تعريف وتبرير وفي نهاية المطاف تشريع شكل جديد من الهيمنة الاقتصادية والاحتكار الرقمي؛ هذا الغطاء ليس طبقة واحدة بل هو درع مركب متعدد الطبقات يعمل على تحييد النقد القانوني، وتوفير الشرعية الأخلاقية، وتأمين القبول العالمي عبر غسيل الأيديولوجيا في محافل دولية … الأسوأ من ذلك أن هذه الأيديولوجيا لا تُفرض بالقوة بل تُغلف في سرديات الابتكار، والشمولية، وتمكين الأفراد، والاستثمار في المستقبل…الخ؛ و نشر هذه الأيديولوجيا لا يتم بشكل عشوائي بل عبر آلة عالمية متكاملة؛ هوليوود تقوم بـ “تطهير رومانسي للتكنولوجيا” محولةً قصص الهيمنة المعقدة إلى دراما بطولية، منصات مثلTED تقدم مسكنات فكرية حيث تبسط المشاكل المعقدة وتقدم حلولاً فردية ملهمة.
والأكثر دهاءً هو غسيل الشرعية عبر المؤسسات العالمية حيث تعمل منظمات مثل المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)…وغيرها كمنصات تمنح هذه الأيديولوجيا الخاصة طابع الحياد والمصلحة العامة؛ على سبيل المثال عندما يقترح المنتدى الاقتصادي العالمي إطاراً جديداً لمشاركة البيانات من أجل الصالح العام (WEF, 2021)، فإنه يشرعن وصول الشركات إلى بيانات المواطنين الحساسة تحت ستار التعاون، وعندما تضع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مبادئ طوعية للذكاء الاصطناعي (OECD, 2021) فإنها تسمح للشركات بالادعاء بالالتزام بمعايير عالمية مما يوفر غطاء شرعية يحميها من التنظيم الحكومي الصارم؛ هذه العملية تصل ذروتها في الدعوة إلى حوكمة متعددة الأطراف للمستقبل الرقمي (WEF, 2022)، وهي استراتيجية تضع الشركات التي تبني هذه العوالم على قدم المساواة مع الدول في وضع القواعد، ويتم تعزيز ذلك أكاديمياً عبر التأطير الاستراتيجي لنموذج المنصات كنموذج أعمال أسمى في كليات الأعمال؛ وحتى عندما تواجه هذه الهيمنة تحديات حقيقية مثل: تقرير لجنة القضاء بمجلس النواب الأمريكي الذي وثق الممارسات الاحتكارية، أو قوانين السوق الرقمية الأوروبية؛ فإن رد الفعل غالباً ما يكون عبر زيادة جهود العلاقات العامة والضغط لتأطير هذه التنظيمات على أنها خنق للابتكار؛ والابتكار…! تحول في مؤتمر اليونيسكو في برشلونة 2022 إلى هدف التعليم الأسمى.
في المحصلة؛ فإن الغطاء الأيديولوجي لوادي السيليكون ليس مجرد قناع بسيط بل هو درع مركب ومتطور تم بناؤه عبر طبقات متعددة من الحجج القانونية والأخلاقية، لقد نجحت هذه الأسطورة في إقناع العالم بأن السعي وراء السيطرة المطلقة على السوق (الاحتكار) هو في الحقيقة ابتكار يخدم المستهلك، كما أقنعتنا بأن تجاوز القوانين التي تحمي المجتمع هو تعطيل ضروري لتحقيق التقدم؛ وحتى عملية جمع بياناتنا الشخصية بشكل هائل تم تقديمها كجزء من مهمة نبيلة لـ تغيير العالم، إنها أيديولوجيا قوية نجحت في تحويل الشركات التي تسيطر على البنية التحتية لحياتنا اليومية – أي ما يمكن تسميته بالمرافق العامة الرقمية – إلى أيقونات ثقافية للتحرر والتقدم.
إن ما تواجهه دول العالم اليوم وتقف المنطقة العربية في قلبه ليس مجرد تحدٍ تكنولوجي عابر أو منافسة اقتصادية تقليدية إنه مواجهة وجودية مباشرة مع نظام عقائدي متكامل مصمم ببراعة لترسيخ نموذج واحد للهيمنة تحت ستار التقدم والتحرر؛ أمام هذا الواقع فإن معركة السيادة الرقمية الحقيقية لا تُربح فقط في ميادين الاستثمار أو مختبرات البحث بل تبدأ في المقام الأول من تشكيل إرادة وطنية لبناء جهاز مناعة فكري واستراتيجي؛ جهاز قادر على تفكيك هذه الأساطير وكشف آلياتها الخفية يقف التعليم كرأس حربه في هذا الجهاز، ومن ثمّ الانتقال إلى مرحلة الهجوم عبر صياغة سردية وطنية مضادة، سردية متجذرة في قيم العمل الجماعي والاستدامة والمصلحة العامة (الإعلام)، لا في الفردانية المطلقة، فالمعركة الحاسمة في هذا القرن ليست على من يملك التكنولوجيا بل على من يملك القدرة على كتابة القصة التي توجهها وتشكل وعي المستقبل.


