وداعاً صديقي وأخي الدكتور عيد صقر الهيم… رحمك الله وجمعنا بك في جنات النعيم..بقلم:د. علي محمد عبدالله اليعقوب

بقلوب يعتصرها الحزن، وعيون تفيض بالدمع، ودعنا يوم امس أخًا عزيزًا، وصديقًا وفيًا، وأستاذًا فاضلًا، هو الدكتور عيد صقر الهيم، الذي غادر دنيانا الفانية بعد عمرٍ حافل بالبذل والعطاء في ميادين الوطن والعلم والإنسان.
أذكر جيدًا أول لقاء لي به، لم يكن في قاعة دراسية، ولا في مؤتمر علمي، بل في مصعد بمستشفى في الولايات المتحدة الأميركية، حين جاء للعلاج، تحدثنا كغريبين جمع بيننا الوطن، وفاض الحديث بإخلاصه وتواضعه، لم تمضِ دقائق حتى بدا واضحًا لي أنه رجلٌ صاحب همة لا تعرف التوقف، وطموح لا يعرف المستحيل، سألته يومها: لم لا تكمّل دراستك ما دمت هنا؟ فكانت تلك اللحظة بداية لمسيرة علمية باهرة، أكمل فيها علاجه، ثم حصل على الماجستير من جامعة بيتسبرغ، ثم الدكتوراه من جامعة برمنغهام البريطانية، وأخرى من جامعة تونس الأولى، في تخصصات التعليم والتخطيط ومحو الأمية.
ثم شاء الله أن تجمعنا الأيآم مرة أخرى في الكويت، زملاء في قسم الأصول والإدارة التربوية بكلية التربية الأساسية، الذي كان بحق أسرة واحدة، يعمل فيه الجميع بروح التعاون والمحبة، وكان الدكتور عيد مثالًا للزميل المخلص، والأخ الحاضر دائمًا بعلمه وخلقه.
لقد كان رحمه الله تعالى أكثر من أكاديمي؛ كان عسكريًا شجاعًا في صفوف الحرس الوطني، من مصابي معسكر الصمود في 2 أغسطس 1990، وشارك في حرب تحرير الكويت، وتدرّج في الرتب حتى بلغ رتبة مقدم في الحرس الوطني، وشغل مناصب قيادية، منها رئاسة فرع التوعية والإرشاد، وإدارة تحرير مجلة الحرس الوطني.
كما كان حاضرًا في الساحة الإعلامية والثقافية، وشارك في برامج تلفزيونية وإذاعية، وكتب في الصحف الكويتية، وأسهم في اللجنة الوطنية لتعليم الكبار، ومثّل الكويت في اليونسكو، وترك خلفه سجلًا غنيًا بالبحوث، والإشراف الأكاديمي، والمساهمات المجتمعية.
وحتى اللحظات الأخيرة، كان محاطًا بأحبابه، والدموع تغسل القلوب، والدعوات تعانق السماء.
وفي مشهدٍ لا يُنسى، وقف الدكتور خالد الرميضي، أحد الأساتذة الأوفياء له ولنا، عند قبره، يدعو له بحرقة الصادقين، حتى افترق الجمع، وهو لا يزال يلهج بالدعاء:
اللهم اغفر لعبدك عيد الهيم اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة،
اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد،
ونقِّه من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس،
اللهم اجعل النور في قبره، وأكرم نزله، ووسع مدخله،
اللهم اجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
اللهم إنّا نشهد أن عبدك عيد كان من الصالحين،
فاغفر له، وتقبله، وهذه أول ليلة له في قبره،
اللهم اجعلها ليلة طمأنينة ورحمة، وأكرم نزله يا أرحم الراحمين.
لقد فقدنا برحيله إنسانًا نادرًا في وفائه، وتواضعه، ودماثة خلقه.
رجلاً جمع بين العلم والإيمان، وبين حب الوطن والتضحية من أجله، وبين الإخلاص لطلابه وزملائه، وبين الصدق والمحبة لكل من عرفه.
نسأل الله تعالى أن يرحمك يا أبا فيصل، ويغفر لك، ويجعل قبرك روضة من رياض الجنة، ويجزيك عن وطنك، وعلمك، وعطائك خير الجزاء.
ونسأله سبحانه أن يُلهم أهلك وأحبابك وزملاءك وطلبتك الصبر الجميل، وأن يجمعنا بك في جنات الخلد، جنات النعيم، في صحبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصديقين، والشهداء، والصالحين وحسن اولئك رفيقا
إنا لله وإنا إليه راجعون
د. علي محمد عبدالله اليعقوب
قسم الأصول والإدارة التربوية
كلية التربية الأساسية




