دلمون… الجذور العميقة لهوية الكويت الثقافية | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان
حين نبحث في العمق الحضاري لدولة الكويت، لا يمكننا تجاهل حضارة دلمون التي شكّلت إحدى أقدم الحضارات في الخليج العربي، وكانت في أوج ازدهارها مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا وثقافيًا هامًا في المنطقة. إن الحديث عن دلمون لا يعني فقط التذكير بالماضي، بل هو قراءة في الأسس التي تشكل وعينا الثقافي وهويتنا التاريخية ككويتيين، ونافذة لفهم الامتدادات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي سبقت نشوء الدولة الحديثة.
لقد ارتبط اسم دلمون قديمًا بالرخاء والخلود في الأساطير السومرية، ووُصفت بأنها “أرض الخلود ، وارض الحياة “، وهو ما يمنح هذه الحضارة بعدًا روحانيًا ومعتقداتيًا يستحق التأمل والدراسة. فقد كانت المعتقدات الدينية آنذاك ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالطبيعة والخلود والنقاء، ما يجعلنا اليوم بحاجة لإعادة قراءة رموز تلك المرحلة وتفسيرها في ضوء معطياتنا المعاصرة.
من الناحية الاقتصادية، مثّلت دلمون حلقة الوصل التجارية بين حضارات وادي الرافدين والهند، وكانت مركزًا لتوزيع السلع والمنتجات، مما يثبت أن أرض الكويت كانت على مرّ العصور أرضًا للحركة والنشاط والتفاعل الحضاري. وهذا الدور التجاري يعيدنا لفهم أهمية الموقع الجغرافي للكويت كركيزة للازدهار الاقتصادي قديماً وحديثاً.
سياسيًا، تشير بعض النقوش والمصادر القديمة إلى وجود أنظمة حكم وتنظيمات إدارية في دلمون، بما يدل على وجود بنى سياسية مبكرة تعكس تطورًا في إدارة المجتمعات المحلية آنذاك. وهو ما يعزز من الفرضية القائلة إن المجتمعات التي عاشت على أرض الكويت تمتعت بقدر من الاستقرار والتخطيط.
وقد أسفرت جهود التنقيب الحديثة عن اكتشافات نوعية في مواقع متعددة كجزيرة فيلكا، وساحل الصبية، وتلال الخويسات، وجزيرة أم النمل، لتكشف عن صفحات من التاريخ الكويتي الضارب في القدم، وتؤكد أن هذه الأرض كانت مهدًا للحضارة ومسرحًا للتفاعل الإنساني منذ آلاف السنين.
وتُعد هذه النتائج ثمرةً لجهود مشكورة بذلتها فرق وبعثات التنقيب عن الآثار، بإشراف المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الذي اضطلع بدور رائد في دعم المسح الأثري والحفريات، وتوثيق المكتشفات وصونها، في تعاون مثمر مع خبرات محلية ودولية، انطلاقًا من إيمان راسخ بأهمية حماية هذا الإرث الحضاري وتعزيزه في وجدان الأجيال القادمة.
لكن هذا الإرث لا يكفي أن يُعرض في متاحف فقط، أو يُذكر في الهوامش التاريخية؛ بل ينبغي أن يكون محورًا لمشاريع بحثية أكاديمية وفنية موسعة، يتولاها أبناء الكويت من الباحثين، وعلماء الآثار، والفنانين، والمصممين، والمفكرين. إن استثمار هذه الكنوز الحضارية في الإنتاج المعرفي والثقافي يشكّل رافدًا أساسيًا لهوية وطنية راسخة، ويمنح شبابنا أفقًا من الوعي والانتماء المبني على المعرفة.
الكويت لا تنقصها المقومات؛ فلدينا العقول، والمؤسسات الأكاديمية، والموهبة الفنية، ولدينا الأرض التي تنبض بالحضارة… ويبقى علينا أن نتحرّك بوعي ومسؤولية لحفظ هذا التراث، لا باعتباره ماضيًا جامدًا، بل كأداة فعالة لرسم مستقبلنا الثقافي.



