كتاب أكاديميا

وهم الموضوعية وثقافة الإجابة الصحيحة | بقلم: د. حمود العبدلي

«ثقافة الإجابة الصحيحة الواحدة، ثقافة تضعف التفكير النقدي من جذوره»

إن جاذبية التقييم الآلي تكمن في وعده البسيط: «السرعة»؛ فبدلاً من أن ينتظر الطالب أياماً ليصحح المعلم ورقته يحصل على النتيجة فوراً؛ ومع تطور الذكاء الاصطناعي أصبح النظام يعدنا بأكثر من السرعة؛ إنه يعدنا بـ التقييم التكيفي، حيث يتصرف الحاسوب كمعلم خاص يسهّل أو يصعب الأسئلة بناءً على مستوى الطالب.

لكن كيف يعرف الحاسوب مستوى الطالب؟ دعونا نفتح الصندوق الأسود… يعتمد النظام على آليتين:

  1. رسم خريطة المعرفة (النمذجة): يقوم النظام بتقسيم المادة (كالرياضيات) إلى أجزاء صغيرة جداً، ويراقب إجابات الطالب لبناء خريطة رقمية تحدد ما يتقنه وما يجهله؛ نظرياً هذا يشبه ما يفعله المعلم الخبير.
  2. البحث عن المؤشرات السهلة (الوكلاء): «وهنا تكمن المشكلة»؛ الحاسوب لا يفهم المعاني العميقة مثل جودة الكتابة أو الإبداع؛ لذا يبحث عن مؤشرات بديلة (Proxies) سهلة القياس مثل: طول الجملة أو عدد الكلمات النادرة، قد تدل هذه المؤشرات على جودة الكتابة، لكنها ليست هي الجودة بحد ذاتها.
    النتيجة خطيرة: النظام لا يقيم فهم الطالب الحقيقي، بل يقيم قدرته على إنتاج هذه المؤشرات السهلة، والطلاب الأذكياء يكتشفون اللعبة بسرعة؛ فيتعلمون كتابة جمل طويلة واستخدام كلمات نادرة لإرضاء الخوارزمية والحصول على الدرجة دون أن يتحسن فهمهم الحقيقي، وهذا يخلق تعليماً سطحياً يركز على الشكل بدلاً من المضمون. (وهذا ما لمسته عملياً مع أحد ابنائي في تعامله مع تطبيق دينلجو).

وفي هذا السياق تؤكد ايضاً تجربة فنلندا هذا الخطر؛ حيث أدى الاعتماد الزائد على هذه التقييمات الرقمية السريعة إلى تراجع قدرة الطلاب على التفكير العميق والبطيء، مما يثبت أن السرعة التقنية لا تعوض عن العمق التربوي.

إن السطحية البيداغوجية للتقييم الآلي، والتي تنبع من اعتماده على الوكلاء بدلاً من المعنى ليست مجرد قصور تقني عابر، بل هي تعبير عن هوة سحيقة تفصل بين منطق الآلة وطبيعة التعلم الإنساني؛ إن تسويق هذه الأدوات تحت شعارات الموضوعية والكفاءة يخفي حقيقة أنها تهندس ثقافة الإجابة الصحيحة الواحدة، وهي ثقافة تضعف التفكير النقدي من جذوره.

يكمن جوهر التحليل في أن الخوارزمية تتفوق حصرياً في التحقق من صحة الحقائق المنفصلة، وهذا يجعلها الأداة المثالية لتطبيق ما أسماه Freire (1970) بـ التعليم البنكي؛ في هذا النموذج تأتي الاختبارات متعددة الخيارات لتكون التجسيد الشائع لهذا المنطق.

ورغم أن هذا النوع من الاختبارات يمتلك نظرياً القدرة على قياس مهارات عليا، إلا أن واقع التطبيق في المنصات يميل غالباً نحو السطحية؛ فالمشكلة الجوهرية ليست في شكل السؤال (اختيار من متعدد)، بل في «منطق التصميم» الذي يحكمه؛ فسواء كان واضع السؤال بشراً يفتقر للخبرة أو خوارزمية صماء تبحث عن الأنماط الإحصائية، فإن النتيجة واحدة: ميل النظام هندسياً نحو قياس ما يسهل قياسه (التذكر)، وتجاهل ما يجب قياسه (التحليل والإبداع) والقدرات العليا.

يتضح هذا القصور بجلاء عند مقارنته بـ التقييم الأصيل (Authentic Assessment)؛ يؤكد Wiggins (1990) أن التقييم الجيد يجب أن يحاكي التحديات المعقدة والضبابية التي يواجهها الناس في العالم الحقيقي، والتي تتطلب تطبيق المعرفة في سياقات جديدة؛ هذه هي بالضبط المنطقة العمياء التي لا تراها الأنظمة الآلية.

تجدر الإشارة إلى أن دولاً مثل السويد أدركت هذا الخطر مبكراً، حيث قررت في عام 2023 التراجع عن خطة استبدال الاختبارات الورقية بالرقمية بالكامل، مؤكدة أن الكتابة اليدوية والتقييم البشري هما الأقدر على قياس الفهم العميق والمركب.

لتوضيح هذا التباين الجذري دعونا نقارن بين الحكم المهني للمعلم (المقاربة الإنسانية) مع التقييم الآلي (المقاربة الآلية): فبينما يركز الحكم المهني للمعلم على فهم عمق وسياق المعرفة، يميل التقييم الآلي لقياس دقة وسرعة الاسترجاع، وفي حين يطرح المعلم مهاماً معقدة ومفتوحة النهاية تحاكي الواقع، تكتفي الآلة بمهام بسيطة ومجردة ذات إجابة وحيدة.

نجد الهدف عند المعلم هو تطوير الفهم والحوار، بينما هدف الآلة هو تصحيح الأخطاء وتحسين الأرقام؛ والأهم من ذلك أن الاعتماد على المعلم يعزز استقلاليته ووكالته، بينما يؤدي الاعتماد الكلي على الآلة إلى تقويض هذا الحكم المهني وتحويل المعلم إلى مجرد مدير للبيانات.

إن هذا التركيز الضيق على ما هو قابل للقياس آليًا له عواقب فلسفية عميقة؛ باستخدام إطار Biesta (2015) يمكن القول بأن هوس التقييم الآلي بالمهارات القابلة للحساب يجعله خادماً حصرياً لوظيفة التأهيل (Qualification) لسوق العمل؛ ولكنه في خضم ذلك يتجاهل بشكل منهجي وظيفتي التنشئة الاجتماعية (Socialization) و التذويت (Subjectification) الأكثر أهمية في حياة البشر. إن تطوير قدرات مثل الحكم الأخلاقي والتفكير النقدي يتطلب حوارًا إنسانيًا وتقييمًا نوعيًا، وهي أمور لا يمكن لآلة تصحيح أن تدركها أبداً.

إن موضوعية التقييم الآلي هي في الحقيقة وهم كما تصفها (O’Neil, 2016)؛ فما يتم تحقيقه ليس الموضوعية، بل هو توحيد المعرفة من خلال فرض ثقافة الإجابة الصحيحة الواحدة، وهذا النموذج يقوض التنوع الفكري.

وتحذر اليونسكو (UNESCO, 2023)ان تبني هذه الأدوات دون مساءلة كافية يفرض نموذجًا معرفيًا واحدًا على العالم.

والتحدي هنا لا يكمن في قبول أو رفض هذه الأدوات بالجملة، بل في بناء أنظمة بيئية تعليمية تحافظ على التوازن، حيث يتم استخدام التقييم الآلي للمهام المناسبة (مثل تقييم المعرفة الواقعية)، مع حماية وتعزيز المساحات التي يظل فيها الحكم المهني الإنساني هو السلطة النهائية.

فإذا اعتبرنا ان اتمتة الاختبارات او بمعنى ادق نقل الامتحان للكمبيوتر (CBT) Computer-Based Testing هي ما يوضع من اختبارات يعدها البشر في وعاء الكتروني؛ وان رقمنة التقويم Digitizing Evaluation هو ما تقوم ببنائه الخوارزمية من أسئلة وفقاً لتفاعل الطالب معها، وتصحح وتقرر وضع الطالب نيابة عن لمعلم Automated Assessment.

مع التحفظ على مصطلحات (اتمتة الاختبارات، ورقمنه التقويم) التي لا زالت لم تنضح بما فيه الكفاية كمصطلحات، وليس كممارسة.

السؤال:

هل نؤتمت الإختبارات؛ ام نرقمن الإختبارات؛ ام نكتفي بالأسلوب التقليدي يمارسه المعلم على الورق؟

الإجابة:

نؤتمت الإختبارات؛ ونرقمن الإختبارات؛ فنحن نعيش في العصر الرقمي ونستعد لما بعد الرقمي فلا يمكن ان نعيش منفصلين عن واقعنا وعصرنا.

لكن …!

المعلم… المعلم … المعلم… يجب ان يكون في قلب العملية Education 5.0.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock