كتاب أكاديميا

دعونا نرفع الغطاء عن المحرك لنرى كيف يعمل: المنصات التعليمية [1] | بقلم: د. حمود العبدلي

الكفاءة المستوردة تقوض سيادة المستقبل وكينونة المجتمع.

الحماس العالمي للتحول الرقمي في التعليم ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج سردية عالمية متقنة تروج لها المنظمات الدولية تقوم على حلقة منطقية تبدو محكمة: هناك أزمة تعلم (تشخيص البنك الدولي) تهدد الاقتصاد العالمي (تأكيد WEF وOECD)، والحل الوحيد هو التكنولوجيا (تقترح اليونسكو)، هذه الصيغة تحول ببراعة قرارًا سياسيًا عميقًا حول قيم التعليم إلى مجرد مشكلة تقنية يمكن حلها بشراء الأدوات التكنولوجية.

هذه الحُلول التكنولوجية لم تظهر في فراغ بل سقطت على أرض فكرية تم إعدادها لعقود من خلال تحالف فكري بين منطق الإدارة الذي يقدس الكفاءة القابلة للقياس، ومنطق الاقتصاد الذي يرى التعليم مجرد استثمار في رأس المال البشري؛ هذا التحالف حوّل التعليم من عملية تنمية إنسانية إلى مصنع لإنتاج مخرجات يمكن قياسها مما خلق تعطشًا هائلاً للأدوات الرقمية التي تعد بتحقيق ذلك.

وهنا يكمن حصان طروادة الحقيقي فخلف خطاب الكفاءة البراق تعمل المنصات التعليمية كأدوات لتنفيذ مشروع أيديولوجي أعمق منطقها الخفي ليس تقديم التعليم، بل هو رأسمالية المراقبة التي تستخلص بيانات تفاعلات أبنائنا كمادة خام مجانية كما تصفها (Shoshana Zuboff)، هذه الآلية تمثل شكلاً جديدًا من استعمار البيانات لا تفرض فقط تبعية اقتصادية، بل تفرض استعمارًا للعقل، إن ما يُقدَّم لنا كـ تحديث هو في الواقع ترسيخ لنموذج قديم ولكن بأدوات مراقبة أكثر قوة.

في مواجهة الفضاء الرقمي المفتوح تسعى الدولة الحديثة إلى استعادة السيطرة من خلال بناء حدائق تعليمية مسورة وطنية بهدف تطويعالتكنولوجيا لخدمة أهداف الحوكمة المركزية؛ من منظور الدولة يبدو تبني منصة وطنية موحدة قرارًا عقلانيًا، فهو يقدم وعدًا بضمان الجودة وتحقيق الإنصاف، وفي الوقت نفسه يوفر لوزارة التعليم لوحة تحكم مركزية غير مسبوقة.

لكن هذه الكفاءة الظاهرية لها تكلفة خفية باهظة: تآكل الاستقلالية؛ فالمنصة الموحدة بطبيعتها تحول المعلم تدريجيًا من ممارس مهني مبدع إلى فني تقني مهمته تنفيذ البروتوكولات الصادرة من المركز، ويتحول النظام التعليمي الذي يجب أن يكون نظامًا بيئيًا متنوعًا ومبتكِرًا إلى هيكل متجانس يسهل التحكم فيه، ولكن يصعب فيه نمو الأفكار الجديدة التي تنبع من الميدان؛ إن هذا السعي المحموم نحو توحيد الجودة غالبًا ما يأتي على حساب الجودة الحقيقية التي لا يمكن أن تنبع إلا من تمكين الفاعلين التربويين أنفسهم،وبهذا تمهد الدولة الطريق دون قصد لآلية سيطرة أعمق وأكثر تعقيدًا.

وإذا كانت الدولة تبني الحديقة المسورة، فإن المنصات العالمية تبني داخلها قفصًا رقميًا مريحًا ومجهزًا بالكامل، ولكنه في النهاية سجن؛ إن نموذج عمل هذه المنصات ليس تقديم البرامج بل هو هندسة التبعية بشكل منهجي، وهي تفعل ذلك بشكل مقصود ومخطط من خلال آليتين متقنتين تعملان معًا لخلق تبعية بنيوية يصعب الفكاك منها، وتحول الدولة لرهينة.

الآلية الأولى هي الارتهان بالبائع (Vendor Lock-in)فـالمنصات التعليمية ليست مجرد منتجات بل هي أنظمة بيئية مغلقة؛ فـعندما يتبنى نظام تعليمي بأكمله منصة واحدة فإنه لا يشتري برنامجًا، بل يهاجر إلى عالم جديد له لغته وقواعده وتنسيقات ملفاته الخاصة، ومع مرور الوقت يصبح الخروج من هذا العالم باهظ التكلفة بشكل غير عملي، فالأمر لا يقتصر على التكلفة المالية، بل يشمل التحدي الهائل المتمثل في ترحيل بيانات سنوات لملايين الطلاب، وإعادة تدريب مئات الآلاف من المعلمين، وفقدان التكامل السلس الذي اعتاد عليه الجميع، إن تكاليف التحول المرتفعة هذه تحولنا من عملاء أحرار قادرين على اختيار الأفضل إلى سكان شبه دائمين في نظام بيئي لا نملك مفاتيحه، إن الارتهان ليس نتيجة مؤسفة للسوق بل هو الهدف الهندسي المصمم بعناية لهذه المنصات.

الآلية الثانية والأكثر خطورة على المستوى الاستراتيجي هي الاعتمادية المسلحة (Weaponized Interdependence) إن تركيز البنية التحتية التعليمية الحيوية لأمة بأكملها -بيانات الأجيال القادمة، وقنوات التواصل، وأدوات التقييم- في أيدي عدد قليل جدًا من الشركات الأجنبية يخلق نقطة اختناق (Chokepoint) استراتيجية هائلة، هذا يمنح هذه الشركات والدول التي تنتمي إليها القدرة على ممارسة ضغوط سياسية أو اقتصادية من خلال التهديد الضمني (أو الصريح) بتقييد الوصول إلى هذه الخدمات الحيوية.

في عصر أصبحت فيه البيانات هي وقود الذكاء الاصطناعي، وسباق الذكاء الاصطناعي هو ساحة التنافس الجيوسياسي، فإن التخلي عن السيادة على البيانات التعليمية لم يعد مجرد قضية خصوصية، بل أصبح ثغرة في الأمن التربوي القومي، إن ما يبدأ كقرار تقني لتحسين الكفاءة ينتهي كعملية تسليم تدريجي للسيادة على أحد أهم القطاعات الحيوية في الدولة.

الالتقاء البنيوي للمصالح بين مشروع الدولة للسيطرة ومشروع المنصة للهيمنة يخلق تحالفًا ضحيته الأولى هي النظام البيئي التعليمي نفسه؛ ففي هذا التحالف تمنح الدولة المنصة احتكارًا بحكم الأمر الواقع من خلال العقود الحصرية، وهذا بدوره يخنق أي فرصة لظهور نظام بيئي محلي متنوع ومبتكر، وتتحول الساحة التعليمية من غابة غنية بالبدائل والحلول السياقية إلى مزرعة صناعية أحادية المحصول، حيث تزرع نفس الشركة نفس الحل في كل مكان؛ والنتيجة هي فقدان التنوع البيداغوجي، وتآكل القدرة على الابتكار المحلي، وتحويل المعلمين والمؤسسات التعليمية من شركاء في التصميم إلى مجرد منفذين في خط تجميع عالمي.

أما الضحية الثانية والأكثر أهمية فهو المتعلم الذي يصبح هو السلعة الحقيقية في هذه المقايضة الكبرى، ففي مقابل أدوات المراقبة التي تقدمها المنصة للدولة، تقدم الدولة للمنصة أثمن مورد على الإطلاق: بيانات الأجيال القادمة، وتتحول عملية التعلم بكل ما فيها من فضول وإبداع وخطأ إلى مجرد سلسلة من نقاط البيانات القابلة للاستخلاص والتحليل يفقد الطالب سيادته على بياناته، وتتحول تجربته التعليمية إلى مادة خام تغذي نماذج أعمال رأسمالية المراقبة، وبهذا يجد المتعلم نفسه عالقًا في ورطة رقمية مزدوجة: مراقبًا من قبل دولته، ومستغلاً اقتصاديًا من قبل المنصة التي تستخدمها دولته لتعليمه.

إن رفع غطاء المحرك عن المنصات التعليمية يكشف عن مفارقة مقلقة: فالدولة في سعيها لتحقيق السيطرة والحداثة تساهم بشكل مباشر في بناء قوة -المنصة- أكبر من سيطرتها، وتجد نفسها في النهاية وقد قوضت سيادتها الاستراتيجية التي كانت تسعى لحمايتها، والأثر النهائي لهذا التحالف يتجاوز الاقتصاد والسياسة ليصل إلى قلب العملية التربوية، حيث يتحول الوعد البراق بـ تحليلات التعلّم كوسيلة للتمكين إلى واقع خفي لـ حوكمة المراقبة التي تصنف الطلاب وتعيد إنتاج اللامساواة.

رفع هذا الغطاء لا نهدف من خلاله الدعوة لرفض التكنولوجيا، بل الدعوة إلى الوعي والقصدية فالمسار الحالي لاستيراد الحلول الجاهزة ليس مسارًا نحو التحديث المحايد، بل هو انزلاق منهجي نحو تبعية بنيوية عميقة ستدفع ثمنها الأجيال والمجتمع برمته بل وبنية الدولة وكينونتها.

إن هذا التشخيص يفرض على كل قائد وصانع قرار ومربٍ أن يتوقف ويسأل نفسه سؤالاً استراتيجيًا حاسمًا: هل تعمل البنية التحتية الرقمية التي نبنيها في تعليمنا حالياً كـ سقالة تمكّن الابتكار المحلي وتعزز السيادة التربوية، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى قفص رقمي، مهما كان مريحًا، يجعلنا مرتهنين اقتصاديًا وجيوسياسيًا لقوى خارجة عن سيطرتنا؟

إن الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كنا سنبقى مجرد مستهلكين للمستقبل الرقمي الذي يصممه الآخرون، أم سنصبح مهندسين لمستقبلنا الخاص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock