كتاب أكاديميا

ود سالم يكتب: نموذج للتحليل الفنيّ من مشهد شعريّ في ظل التوجيه الحجاجيّ

إذا كان قد تم تقسيم التوجيه في حقل (لسانيات القول) أقساما مختلفة متداخلة  المضامين، من مثل توجيه القول وتوجيه المقول، ومنها كما عند شابرول Chabrol توجيه  إثبات أو موجهات إثبات وغير ذلك، فإننا نشير إليه إجمالا بالموجهات التقريبية أو المفيدة في نطاق إثبات القضية التي نرمي إلى غاية الإقناع بها. وإن إدخال هذه الموجهات التقريبية أو المفيدة شكًا نبرهن بها على درجة من النزاهة الفكرية تقضي إلى جعل الحكاية في مجملها حكاية صادقة، حسبما يشير الدكتور عبد الله صوله. وهذا ليس صحيحا على إطلاقه إنما الأمر مرتهن بمقام القول سواء كانت الموجهات يقينية بالقسم أو غيره أو ظنية.

ولنا أن نقف مليًّا أيضا عند أبيات للرضيّ من قصيدة مطلعها قوله:

أُعاتِبُ أَيّامي وَما الذِئبُ واحِدٌ

وهن الليالي البادياتُ العوائدُ

وهي قصيدة تبلغ أبياتها سبعة وثلاثين بيتًا، على بحر الطويل، وفيها يمدح الوزير أبا نصر سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة بن بويه، عقب زوال وحشة كانت بينه وبين والده الشريف الحسين

لك الله ما الآمالُ إلا ركائبٌ
أبى لكَ إلا الفضلَ نفسٌ كريمةٌ
وطودٌ من العلياءِ مُدّت سموكهُ
وإني لأرجو من علائك دولةٌ
ويومًا يُظلُّ الخافقين بمزنةٍ
لأعقد مجدًا يعجز الناسَ حلُّه
فمَن ذا يراميني ولي منك جنةٌ

وأنت لها هادٍ، وحادٍ، وقائدُ
ورأيٌ إلى فعل الجميل مُعاودُ
فطالت ذراه واطمأن القواعدُ
تُذلَّل لي فيها الرقابُ العواندُ
رذاذ غواديها الرءوس الشوارد
وتنحلُّ من هام الأعادي معاقد
ومن ذا يدانيني ولي منك عاضدُ

إلى قوله:

ولولا صدودٌ منك هانت عظائمٌ
ولكنك المرء الذي تحت سُخطه
كأنك للأرض العريضة مالكٌ

تشقٌّ على غيري وذلتْ شدائدُ
أسود ترامى بالردى وأساودُ
وحيدًا، وللدنيا العظيمة والدُ

لقد جمعت هذه الأبيات من وسائل التوكيد ما جعلها أنموذجًا تضمن أبعادًا حجاجية معتبرة، سواء كان ذلك عن  طريق العدول الكمي بأنماطه، أو عن طريق المقدمات والنتائج، وطرق الاستمالة إلى تحقيق الغرض من الخطاب.

بنى الشاعر قصيدته على بحر الطويل؛ أي على نفسٍ هادئ ممتد؛ ذلك لأن المقام مقام مدحٍ اقتضى معه الهدوء والسكينة وطول النفس في بناء القصيدة وموسيقاها الممتدة، سواءٌ أكانت خارجية متمثلة في الوزن المشار إليه، أو في القافية ورويها الدال المضمومة، وهو حرفٌ من الحروف المجهورة. وجاء مضمومًا ليمتد مع نغمات المديح الممتد للوزير أبا نصر.

لن نقف في مفتتح قصيدته تلك إلا عند قوله من الشطر الثاني للبيت الأول (وهنّ الليالي الباديات العوائد) حيث استخدم الشاعر التعريف لطرفي الجملة الاسمية، المبتدأ والخبر، فكان الأول ضمير العماد (هنّ)، وعرف الخبر بـــ (أل) وهو نوع من القصر الذي يحصر طرفي التعريف في دائرة التعيين عند المتلقي أو المخاطب، إلا أن الشاعر قد أضاف زيادة في التعريف عن طريق تعدد النعت لليالي، فهنّ العاديات البوائدُ. ولنا أن نتصور هذا التشبيه البليغ لليالي، وقد نذهب إلى احتمالية اعتبار العاديات البوائد خبرين آخرين، وهذا ما يعطي امتدادًا للتعريف المقصود من تبيان كم لهذه الليالي والأيام التي هي وعاء زمني لحياة الشاعر من قسوة ووحشة لا يطيقها، بل تذهب به إلى أنه يحس باغتراب نفسي وروحي في هذه الحياة كلها. هذا المعنى كان يمكن للشاعر أن يعدل منه إلى قوله مثلا، وهن الليالي البوائد دون أن يأتي بـــ (العاديات) التي حملت في معناها كل ما يمكن لنا أن نتصوره من القسوة والعنف والوحشة التي تحيط بالشاعر، أو كان يمكن أن يحذف (البوائد) ويأتي بغيرها، أو يكتفي بتغيير البنية الصرفية في (العاديات) إلى (العوائد). لكنما أراد أن يضم هذه إلى تلك في وصف لياليه بما عرّف أو وصف، ليستميل قلب المخاطب ويبين له حاجته الملحة في احتوائه ورعايته والعطف عليه، فهو لتلك الآمال الركائب  إلى السؤدد والعلا (هادٍ وحادٍ وقائدُ).

ونلاحظ الفصل بالجار والمجرور (لها) بين المبتدأ (الضمير أنت) والخبر (هادٍ) وهو للتخصيص، إشارة إلى قصر الهداية والحدو والقيادة علي الممدوح المخاطب، ولنا أن نعد ذلك من باب قصر الصفة على الموصوف، وذلك ما حمله الفصل بشبه الجملة بين المتلازمين، المبتدأ والخبر.

كما نلاحظ أيضا العطف في قوله، عطفا على الخبر (هادٍ)، (وحادٍ، وقائدٍ). ولما كان العطف على نية تكرار العامل، إذًا، كان القول على نية التكرير، فكأنما قال: وأنت لها هادٍ، وأنت لها حادٍ، وأنت لها قائدٌ. وهذا التكرير يحدث في نفس المتلقي أو المخاطب؛ هذا وقد سبق الإشارة إلى ما للتكرير، سواء ما كان منه تكرار الشيء نفسه أو أن نتكلم عن الشيء نفسه. وفي الواقع فإن العطف لا تبرز وظيفته الحجاجية في نية تكرار العامل ومن ثم، فكأنما يكرر المعاني ذاتها بصور مختلفة، لكنما العطف يلعب دوره الحجاجي  في الربط بين المعاني لاختلاق رؤية شاملة.

ويمكننا أن نقف على بعدين حجاجيين معًا، أبرزهما معًا قوله: (وأنت لها هادٍ، وحادٍ، وقائدُ)، ألا وهما: حجة التفخيم، والتنويع المعكوس للتفخيم. والمقصود بالأولى كما يذكر بيرلمان أنه، “لأجل خلق الحضور، من الضروري الإلحاح طويلا على بعض العناصر التي لا تكون مؤكَّدة: وذلك بتمديد الانتباه الذي نوليه إليها، فنكثف من حضورها في وعي المتلقين […] فالإلحاح يمكن أن ينجم عن التكرار، وعن تراكم التفاصيل، وعن إبراز بعض المقاطع. ولا شك أن ذلك منحى بلاغي يقابله ما يعرف بلاغيًا بمراعاة النظير ويحدد بيرلمان هذه الصورة على النحو الأتي: “نبدأ في تعداد الأجزاء لنصل إلى تركيب، وهي عكس التفخيم الذي يعتمد على تقسيم الكل إلى أجزائه. نجد البعدين معًا، فما قوله: وأنت لها هادٍ، وحادٍ، وقائد إلا من قبيل توظيف حجة التفخيم للذات المخاطبة، وذلك بتمديد الانتباه إلى ما لهذه الذات من سيادة مفخمة تتماس أيضا فيما يعرف بحجة السيادة. هذا التفخيم بالامتداد يلحُّ على تكثيف الحضور لذات المتلقي في سياق الخطاب الحجاجي.

من ناحية أخرى نلاحظ أن توصيفه للممدوح بأنه (هادٍ وحادٍ وقائد) بعد قوله (لك الله)، ما الآمال إلا ركائب) يؤدي دوره الحجاجي أيضا، فضلا عن وظيفته البلاغية باعتباره مراعاة نظير، فالركائب تحتاج إلى هادٍ لها، وحادٍ يحدوها، وقائد للركب كله. هذه التفاصيل التي يعيد تركيبها الشاعر تؤدي في النهاية إلى خلق مشهد كليّ يلح على تصور المتلقي المخاطب في أداء وظيفته من الاستمالة لذاته المفخمة في تحقيق آمال المتكلم التى يرى أن تلك الآمال ركائب والمخاطب الممدوح هو هاديها وحاديها وقائدها.

ولا يفوتنا التنويه إلى مستهل خطابه في البيت السابق، من قوله: (لك الله)، من القصر بتقديم الخبر شبه الجملة (لك) على المبتدأ، لفظ الجلالة (الله) وهو تعبير أراد به المتكلم الترحم والدعاء للممدوح في الإشارة إلى عِظم مسئولياته وحجم قدره ومهامه، فإذا كانت الآمال على إطلاقها وعمومها ركائب، وما أدراك ما هذه الركائب المتطلعة إلى العلوّ بفعل مهمتها من حمل الآمال، والتي تتطلب لها هاديًا، وأي هادٍ، وحاديًا، وأي حادٍ، وقائدًا، وأيّ قائدٍ.!

كما نشير أن السياق الخطابي قد تأطّر بذلك التكثيف منذ اتجه بالخطاب مباشرة إلى ممدوحه بقوله: (لك الله) واستخدامه الضمير كاف الخطاب، لبيان إلى أي مدى يبلغ حضور المخاطب في أذهان المستمعين والحاضرين، ومن قبل في ذهن المتكلم والمخاطب معًا.

ولنلاحظ أيضًا التكثيف في الخطاب بأكثر من أداة، سواء أكانت كاف الخطاب أو ضمير المخاطب (أنت) سواء بالإظهار أو الإضمار، فمن قوله: (لك الله..) إلى قوله: (وأرْع مقالي منك) قبيل نهاية قصيدته، نطالع كاف الخطاب في  أربعة عشر موضعًا، في حين نطالع الضمير (أنت) مظهرًا في موضعين، هما: (وأنت لها هادٍ).. و قوله: (فَعَوْدًا إلى الحلم الذي أنت أهله)، وورد مضمرًا في مواضع ثلاثة هي قوله: (فلا تتركنّي عرضةً)..، وقوله: (وحامِ على ما بيننا)، وقوله: (وأرْع)، وهكذا يبرز الضمير فاعلًا حجاجيَّا في سياق الخطاب الحجاجي، ليخلق حالة من التكثيف الحضوري لدى المخاطب أو المتلقي.

ويأتي التوكيد بكل آلياته ليشكِّل أبعادًا حجاجية متداخلة، وذلك عن طريق أسلوب القصر متراوحًا مع أساليب التوكيد الأخرى، خاصة بـــ (إنّ واللام)، في ثنايا الأبيات سواء كان بتقديم ما حقه التأخير أو بالنفي والاستثناء، أو بالفصل بين متلازمين؛ وذلك من مثل قوله: (لك الله)، وقوله: (ما الآمال إلا ركائب)، وقوله: (أنت لها هادٍ) وقوله: (أبى لكَ إلا الفضلَ نفسٌ كريمةٌ)، وقوله: (تُذلل لي فيها الرقابُ العواندُ) وقوله: (وإني لأرجو من علائك دولةً)، وقوله: (وتنحلُّ من هام الأعادي معاقد)، وقوله: (ولي منك جُنةٌ) إلخ.

البحث في الحجاج القائم على وسائل التعبير الفني التي استعان بها الشاعر للتعبير عن مشاعره، وفي طرائق تحريك وجدان المتلقي في سبيل استمالته إلى صفه، ومحاولته النفاذ إلى “مناطقه بالدليل الدقيق والحجة المقنعة، يبرهن أن الشعر يقترب من سائر الخطابات الحجاجية في قدرة صاحبه على توظيف مختلف أنواع الحجج في ربط مفاصل الكلام وتعليق بعضه ببعض بواسطة روابط حجاجية دقيقة.

إن الرضيّ يوظف تكثيفًا لغويًا ظاهرًا، يظهر ذلك جليًّا في اختيار مفردات بعينها؛ ليحملها بجانب توظيف الصورة الفنية طاقة حجاجية مكثفة، وللنظر إلى الترتيب البديع لوصف الممدوح المخاطب بكونه للآمال الركائب هاديًا وحاديًا وقائدًا، على الترتيب، فلا يمكن تصور عدولٍ عن هذا الترتيب، فالهداية أوقع في تسيير الركب إلى غايته مباشرة، دونما تضليل، ومن ثمَّ؛ فالركائب الآمال أسرع وصولًا إلى الغاية المرجوة؛ وهذا التوصيف للمخاطب يقوده إلى تمثّل المعنى المراد والعمل على تهئية الأمور إلي المرامي والغايات المقصوودة، وهي جِدُّ عظيمة عند المتكلم والمخاطب كليهما. ثم يكون التوصيف من بعدُ، بكونه حاديًا للركائب، مهونًا عليها مشقة الوصول، ماتعًا وممتعًا غيره. ثم يختم توصيفه للمخاطب الممدوح بأنه قائدٌ، والقيادة تجمع في معانيها الصفتين السابقتين، من كونه، هاديًا للركب وحاديًا له.

وإن ذلك التكثيف اللغوي الحاشد للكلمات بطاقاتها الحجاجية يدفعنا دفعًا إلى تأمل الكلمة الشاعرة في سياقها عن غيرها من الكلمات؛ ذلك أنها ليست كغيرها مجرد وعاء للمعنى، بل بكونها تحمل طاقة حجاجية وأسلوبية وبلاغية لا توجد في غيرها.

ولما كانت الصورة الفنية داعمة للخطاب الحجاجي، غير منفصلة عنه لكونها في مقام التصوير الخيالي؛ لذلك نستطيع أن نؤكد على أن الجانب الحجاجيّ في شعر الرضيّ لم يطغَ على الجانب الفني فقد يكون الكلام المبني على الصورة الفنية أكثر قدرة على الإقناع من الكلام العاري من التصوير؛ لذا لا يمكن للشاعر أن يغفل عن الجانب الفني في حجاجه، فالصورة في موضعها تتضمن طاقة إقناعية لا تقل عن قيمتها الجمالية، كما في تصويره لممدوحه بقوله: (كأنك للأرض العريضة مالكُ)، وقوله: (عليّ رداءٌ من جمالك واسعٌ) وغير ذلك مما سنفرد له مساحة من البحث اللاحق؛ لبيان إلى أي مدى تؤدي الصورة الفنية دورُا حجاجيًا غير منكور في سياق الخطاب الحجاجي، أو قل: إلى أي مدى يكون الكلام المبني على الصورة الفنية أكثر قدرة على الإقناع من الكلام العاري عن التصوير؟

وإذا كان نجاح الخطاب الحجاجي “يتوقف على مدى ذكاء صاحبه في اختيار اتجاه الحجة: اتجاهها الأصلي المتصل بتثبيت العلاقة بين الشخص وأعماله. فإن الرضيّ يقول في ذلك السياق الذي يلصق الشخص بأعماله، ويقصر محامدها بفعله خاصة لها:

أبى لك إلا الفضلَ نفسٌ كريمةٌ
وطودٌ من العلياءِ مُدّت سموكه
وإني لأرجو من علائك دولةً
أو اتجاهها المعاكس المتصل

ورأي إلى فعل الجميل معاودُ
فطالت ذراه واطمأن القواعدُ
تُذلّل لي فيها الرقابُ العواندُ
بكسر هذه العلاقة وبترها

يقـول:

ولولا صدودٌ منك هانت عظائمُ
ولكنك المرء الذي تحت سخطه
كأنك للأرض العريضة مالكٌ

تشقُّ على غيري، وذلّتْ شدائدُ
أسودٌ ترامى بالردى وأساودُ
وحيدًا، وللدنيا العظيمة والدُ

إن المخاطب بهذه الضروب من التوكيد لا يستطيع أن يعترض على الكلام بقوله على سبيل المثال: “ليس صحيحا” أو ” لا أوافق” أو “أعترض” فليس له إلا أن يوافق على القضية المعروضة عليه بقوله: وهو كذلك أو أوافق. وهذه الموافقة في رأينا بداية انصياع الخصم إلى النظرية التي يفهم مضمونها في الكلام. فالتوكيد هنا عمل كلامي يأتيه المتكلم فيجعل عمل الخصم الكلامي يسير في الاتجاه الذي يرسمه له ذلك المتكلم. لقد أرتج على الخصم، فأنى له أن يصاول أو يطاول؟ فإن بقي الخصم العنيد رادا على التوكيد السابق مثلا بأنه ليس صحيحا، ففي هذه الحالة يكون الخصم قد آثر أن يغادر “ساحة المنطق” وأن يقع في التناقض وينسحب من ميدان المحاجة محجوجا قد أرتج عليه.

وخلاصة القول: يمكن للشعر أن يتضمن خطابًا حجاجيًا ويقارع الحجة بالحجة كما أبان عن ذلكابن وهب الكاتب في قوله: “وأما الجدل والمجادلة فهما قول يقصد به إقامة الحجة فيما اختلف فيه اعتقاد المتجادلين، ويستعمل في المذاهب والديانات وفي الحقوق والخصومات، والتنصل من الاعتذارات، ويدخل في الشعر والنثر”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock