كتاب أكاديميا

نور العجيل تكتب: أضغاث أحقاد

النهار المنتظر، النهار الذي يخبئ بطياته حلمي بيتي وأسواره البيضاء، وسادتي ذات الريش الناعم، وفستاني المطرز على طريقة العصر الفيكتوري، هل أجعل شعري ينساب على ظهري، أم أرفعه؟ أخبرني خالد ذات عيد أن البني المسدول على كتفي يجعلني كحورية البحر ما رأيكِ يا سارة؟
سارة: بافترار، لتتركيه مسدولًا إذًا، ما هو إلا حفل عقد قران
ترد سلمى: لا بل سأرفعه لأريه أنني فاتنة بكل حال.
سارة: لتحلقيه إذًا، لا يعنيني.
سلمى: لستُ متشبهة بالرجال.
تطبق سارة الباب بقوة معلنة، غضبها من تلك الكلمة، ظنت سلمى أن سارة دائمًا ما تبالغ في ردود أفعالها، لم تدرِ بأن تلك هي حبة الرمل التي هدت الجبل، كانت سارة دائمًا ما تفشل بأن تكون جزء من هذا المحيط، بل ما كانت منه.
حينما رسبت في الثانوية، حازت سلمى على تقدير امتياز لتجد لقب الفاشلة يرتطم بها، وحينما تمت خطوبة سلمى نعتتها أمها للمرة الأولى بالعانس، كانوا مرارًا يحوّلون يوم سعادة سلمى يوم تعاسة لسارة، حتى كرهت أن تفرح توأمها، دائمًا ما تردد أن يوم الولادة نالت سلمى على حظينا، لطالما كانت غير لائقة يحاولون ثنيها عن قصها لشعرها، وأن يجعلوها كقريناتها ترتدي ثياب تليق بفتاة أكثر من كونها تليق بشاب يزفر الرعونة، شارفت على سن الزواج بل وتخطت ذلك كما يعتقدون
دون أن يطرق بابها رجل واحد، كانوا يستعملون معها كافة الأساليب عدا التي قد تؤدي لنتيجة فعلية. كل شيء هنا يصنع منها وحشًا..

تسلل سارة لتلتقي بخالد، لدي رسالة من خطيبتك، كم ستدفع
خالد: ليست خطيبتي زوجتي إلا ثلاث ساعات،
“يا خبر بفلوس بكرة ببلاش..”
سارة: بخيل كعادتك، التقطها..
خالد يهرول نحو الظرف المرفرف في السماء ذاعن حريته، يفتح الرسالة وإذا بسلمى تخبره أن يعطي سارة رقم هاتفه.
خالد: لكن لِمَ لم تترك لي رقم هاتفها معكِ؟
-سارة: تزدرد ريقها بارتباك، لا أردي أعتقد أنها تحتاج بعض الوقت
خالد: وأنا أظن ذلك.
يتركه برفقتها، ويمضي، على أمل أن تحادثه سلمى الليلة، يتذكر أن نظرات الجميع كانت تتسلط عليهما حينما ألبسها خاتم زفافه، لم يستطع أن يعبر لها عن كم كانت فاتنة، وأن شعرها غير المنسدل كذلك كان رائع، انتظرها كثيرًا لكن لم يتلقَ أي مكالمة، ولا حتى رسالة عن طريق الخطأ، مضى اليوم الأول والثاني ونهاية الأسبوع المُعلنة عن ضرورة سفره للدراسة، دون أن يتلقى تلك الرسالة، شعر بخيبة شديدة، حتى نسى أمر المكالمة بل وكاد يشك أن حكاية رقم الهاتف حدثت فعلًا.
بعد شهرين من الدراسه بدأ يشعر بالملل، لم تكن أمريكا كما تصوّر، كانت عادية جدًا ودائمًا ما أحس بالوحدة، يعد الأيام كي يعود لمنزله، قرر أن يشاهد فيلم على هاتفه وبينما كان غاطس في البحث، جاءته رسالة من مجهول
…:السلام عليكم؟
خالد: عليكم السلام
….: أنت خالد؟
خالد: نعم، من؟
…: ليس بالضرورة، الأهم أنك خالد.
بدأ خالد يتحدث مع هذا الشخص المجهول، بشكل يومي، حتى علم أن اسمها أمل، قالت له أمل أنها تعلم بعقد قرانه، وأخبرته أنها ترى حديثهم لا يُعد خيانة إذا لم يكن يحادث سلمى المتعجرفة كما وصفتها، كان كلما أراد التخلص منها يلهج فيها أكثر، أما هي بدورها تجد له، عذر ما يخلصه من تأنيب الضمير.
قرر بعد ما يقارب السنة أنه لا يريد الإرتباط بسلمى، أخبر أمل التي كان هذا الغرض من رغبتها في محادثته من الوهلة الأولى، رحبت أمل بالفكرة وقالت أنها لا تؤمن بالزواج التقليدي، بل وتظن أن على الفرد أن لا يقترن إلا بنظيره الروحي.
أمل: هل تعرف توجهاتها الفكرية، وكيف تتمنى أن تقضي الحياة؟
خالد: أبدًا، لم نكن نتحدث.
أمل: وهذا الأنكى كيف لك أن لا تتحدث مع من سترتبط بها؟ تبدو لي ساذجة، بل وحتى فاشلة بالحياة وفائقة بالدراسة ليتها تدرك ذلك!
خالد: هل أنت صديقتها المقربة؟
أمل: لا، أيام الدراسة فقط
خالد: جيّد، بودي لو أن تكوني أنتِ من تكمل معي حياتي.
أمل: امهلني بعض الوقت
خالد: لكِ ذلك
لم يرَ أي صورة لها خالد، كانت تصطنع الحياء، كلما يطلب منها إرسال صورة، ما أسهل خداع الرجل بالحياء.
ومن ناحية أخرى كان هذا أكثر ما يشده.

حينما أطلقت الشمس أشعتها الحادة كنصل على عينيّ سارة أدركت أنها ظلت طوال الليل، تنسج من النوائب ما لا تحتمله أي نفس بشرية، كان الغرض من إختلاقها لشخصية أمل، أن تجعل خالد يكره سلمى وينفصل عنها، لا أن ترتبط به، لكن حدة الإرتباط سيكون وقعها أشد على قلب سلمى، ستكسر قلبها بدلًا من أن تتلقى صفعة تلي صفعة كل يوم، مالها تخاف من الإقدام أليس هذا رد إعتبارها على طبق من إنتقام تتدلى منه أضغاث الأحقاد، تغازلها الفكرة، تغويها هامسة بكل ما ربى فيها البؤس.
لكن كيف ستفصح لخالد عن كونها سارة التي لطالما ناداها بسامي، ولعبت معه الكرة، بل وضربها كرجل، لا شك بأنه لن يلتفت لها.
تمرر يديها على الهاتف بوهن، أنساها التظاهر مع خالد من تكون، لكنها لن تتنازل أبدًا.
سارة: خالد؟
خالد: هل فكرتِ؟
سارة: أجل، لكن لدي ما سأخبرك به..
خالد: لا تترددي
سارة: أنا سارة.
خالد بوجهه الممتقع ويدان ترتعشان شعر بأن المرارة تلوكه، بوده لو تسحقه أن لا تبقي منه أثر يدل على أنه عايش هذا بالفعل: أتمنى أن لا تتصلي بي.
حاول ألا يحادثها لأسبوع، كان يمر عليه بطيء وكأن عقارب الساعة في إجازة، كانت تطول أحاديثه معها في رأسه، حتى لم يعد يحتمل، يجب ألا تنتهي الحكاية عند هذا الحد، يجب أن يعرف ماذا تريد، كان يبتدع تلك العبارات حتى لا يرضخ لشعور الشوق، لن يقول أنه مشتاق لأخت زوجته ولا حتى أمام نفسه، لا يجب أن تنزلق تلك الكلمة من حواف فمه، لا يجب أن تطير لأذنه، يجب أن يحادثها لأن يهذبها فحسب.
خالد: سارة، أظن أننا يجب علينا أن نتحدث.
سارة: لا أناسبك، متشبهة بالرجال أليس كذلك؟
خالد: لا يجب أن أحبك، كيف سنواجههم؟
سارة: لم تحبني؟
خالد: ليس كما تعتقدين حتى لو كنتِ عمي صالح كنت سأحبك، لا أرى مظهرك عثرة.

تطير سارة في أرجاء حجرتها، تدخل سلمى مبتسمة: تبدين جميلة حينما تضحكين، لأول مرة أرى أسنانكِ عساه خير؟
سارة: صديقتي على الهاتف!
سلمى: سارة ما رأيك، أفكر أن أجعل فستان زفافي ذو ياقة كما الأفلام القديمة؟
سارة: حسنًا، هل تغلقين الباب خلفك؟
خالد: سارة، لا أستطيع أن أكلمك، يجب أن أغلق، أشعر وكأنني شخص سيئ.

كان كطفل بالغ، يتخبط في كل الجهات، تقوده العاطفة، فيستوقفه الضمير تارات كثيرة، لكن العاطفة دائمًا ما تنال منه.

مرت الأيام سريعًا اليوم هو موعد عودة خالد، بشهادته، الذي مهد لأبيه فكرة الزواج من سارة، رفض لكن كان خالد شديد الإصرار حتى هدد أن لا يعود أبدًا ولأن العم فالح كان لديه ابن وحيد لم يكن ليفرط به، وافق خلال فترة بسيطة.
في الجانب الآخر من المنطقة.
سلمى: أمي، أنا سعيدة جدًا، الجميع أحلامه بعيدة إلاي كان حلمي على متن طائرة، ستصل بعد خمسة عشر دقيقة.
جواهر: الله يتمم تلك الفرحة يا ابنتي، عمك قال أنه سيزور والدك مع خالد، إن شاء الله من أجل زفافك.
يشتعل الزهري على وجنتيّ سلمى مُعلنًا عن استحيائها.

مر الوقت سريعًا، ارتدت أجمل ثيابها، تسحب رباط شعرها لينفرد ذاك البني يسبق بعضه الآخر على خصرها، وطلت شفاهها بأحمر داكن، قطع تأملها للمرآة صوت أبيها: القهوة يا سلمى
جاءت تسير بمشية وئيدة، يبدي العم حزنه وتقارع يده للأخرة، تستوقفه نظرات خالد له، الذي لم ينظر لها كان الهرب من نظراتها واضح وجلي لم يكن عصي على من أحبته العمر كله، تخرج من ذاك المجلس، تستوقفها كلمات عمها، الذي يبدو وكأنه فقد عقله، كما تزوجها بالمعروف يسرحها بالمعروف، ليته توقف عند هذا الحد، وما قال لأنه لا يريد لابنه الوحيد زوجة إلا من بنات أخيه سيزوجه سارة! كانت كومة تساؤلات تجتاح عالمها تسرع لسارة لتخبرها، التي بدورها تحوّل وضع الهاتف للسماعة الخارجية، كانت تسمع كل ما دار هناك، ومن الذي يُطلعها خالد!

في الجانب الآخر من المنزل، وبعد انصراف خالد..

جواهر: يا رجل استهدِ بالله، هذا لا يجوز، تكسر بخاطر ابنتك، وتعطي أختها لزوجها؟
صالح: لم يكن زوجها، ولن أخسر أخي من أجل كلام نساء!
جواهر: لن أجهزها لعريسها.
صالح: ستفعلين وإلا تذهبين لمنزل أهلك
جواهر: بعد كل هذا العمر!
صالح: لن أفرط بأخي.

لم تحادث الأم سارة كانت غاضبة كما لم تغضب من قبل، تجبر بخاطر سلمى التي كلّت، وتجهز سارة لعريسها مرغمة، لن تنفصل بعد كل هذا العمر وتجعل النساء يتشمتن بها.

يوم زفافها ترسلها لعريسها دون دعواتٍ تحيك طريقها، كان الجميع يتساءل كيف لرجل أن يفضل سارة على سلمى؟ كانت تفوقها في كل شيء جمال، وأخلاق، وأنوثة، متناسين أنها لا تفوقها كيديًا، كان كل شيء يدور حول خطة رُسمت قبل أكثر من عام، عدد الضحكات، عدد الهمسات، كلمات الحب، حتى تلك الإلتفاتة لم تكن عفوية.

سرعان ما صار منزله منبوذًا لا أحد يحب أن يزوره، يطوي الشك قلبه، كلما تذكر كيف غدرت بأختها، يسحب ذاك الهاتف من يديها، علها تحتفظ بآخر، يدخل المنزل فجأة، عله يصطادها بحال لا تود لو يراها به، يوصلها للسوق ويظل يراقبها من بعيد، أدرك أن لا فكاك مما يعانيه من شك مرضي إلا أن يتركها، وهي لم تكن تروقه، كان يخدع نفسه، كان كل ما يشعر به حالما تغيب الفراغ، الفراغ القاتل لذلك كان، يحادثها بشراهة، لو كانت أخرى لظن أنه يحبها، ليس هذا الحب. قرر أن ينهي حياته معها، لكنها لم تشأ، قالت لن أجعلهم يضحكون علي!
أما هو فلم يكن من شأنه إن ضحكوا أو لا، يرمي ورقة الطلاق، ويخرج من المنزل، لخمس ساعات، حينما عاد للمنزل لم يجدها، الكابوس انتهى، لكن ظل يشعر بأنه أساء لسلمى، لكن لا يعلم من أين يجب أن يبدأ، بعد أسبوع، قرر أن ينتظرها عند باب الوزارة التي تعمل بها، أعرب عن حزنه وأنه يود لو يعوض هذا كله بزواجها منه!
تضحك سلمى أخبرته يومها بأنها كانت مجرد طفلة حين قبلت الزواج منه وأنه كان منزل أحلامها معه طيني آيل للسقوط في زمن العواصف، أما هو كان يسبح تجاه أي تيار، حتى أختها التي لا تشبه الإناث حظت به! بل سبح ببحرها هام به، كاد يغرق، ثم أنه ليس تعويضًا لكل تلك الإساءة، تتركه وهي تسير بتساؤلات أكبر، كيف لرجل أن يظن بأنه النجاة لامرأة اعتادت على السقوط، لم يكن أي رجل مكافأة لأي امرأة، كلٌ منا كان إنسان قبل أن يلتقي الآخر، وإنسان حتى بعد أن بطشت ملامحه الحياة، لا نحيا بوجود من اعتاد على أن يراوح، ولا السعادة تشترط أن يكون لدينا شريك.

نور العجيل| أضغاث أحقاد @nooral3jeel

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock