كتاب أكاديميا

أ. اماني المضاحكة تكتب: أن تجد جواباً لكل سؤال “اسأل العم قوقل”

 

أصبحت هذه العبارة شائعة في واقعنا المعاصر، رغم أن “قوقل” هو محرك بحث وليس بعم أي شخص، لكن كنية “العم” تعبر عن كرمه وعطائه، فهو لا يرد أي سائل يسأل، ولا يبخل بالإجابة عن أي شيء تريد.كان الأمر في الماضي صعباً؛ أن تجد إجابة لكل سؤال (تقريباً)، لا نتحدث هنا عن تلك الأسئلة الوجودية أو الغيبية أو غيرها مما يحير العلماء والفلاسفة، بل الأسئلة البسيطة التي ربما دارت في خلد أحدهم وهو يتأمل السماء في الليل، عن النجوم والقمر وتضاريس هذه الكرة الأرضية، أسئلة تطرأ في حياتنا اليومية عن التاريخ والأحياء أو حتى عن طبخة تريد المرأة إعدادها في المنزل.

فسؤال مثلاً عن إصلاح التلفاز أو أي جهاز كهربائي آخر، قد لا تجده في كتاب أو عند صديق، الأمر يحتاج لخبير في نفس المجال، أما في العالم الرقمي، فأنت في مكان يجتمع فيه خبراء العالم ويشاركون الكثير من المعلومات التي تتحول في نهاية المطاف إلى إجابات لأسئلة الباحثين عبر قوقل. “قوقل” ليس سوى محرك بحث، هو الوسيط الذي يوصل السؤال بالإجابة، أما تلك الإجابات فهي قادمة عبر بشر آخرون يعيشون معنا في نفس الكوكب، حين تسأل، ستظهر لك صفحات ومعلومات كتبت منذ ايام، أو حتى سنوات، صفحات في منتديات عفا عليها الزمن لكن صفحاتها باقية توصل المعلومة (الإجابة) لكل من يطلبها بشكل مباشر، قد يجد السائل الإجابة على شكل فيديوهات، تعطيه أكثر مما طلب، على شكل مقالات كاملة تشرح الموضوع بشكل أكثر تفصيلاً، أو على شكل ورقات بحثية نشرت في مجلات محكمة، وافق عليها علماء متخصصون في مجالاتهم.

هنا ملاحظة مهمة، وهي أن الإجابة تأتي قبل السؤال، وهذا ما سمح بأن تحصل على الإجابة في الحال دون تأخير، أنت فقط تعيد استكشاف المحتوى الرقمي لتجد المعلومة التي تجيب على سؤالك، هو نفس الوضع في عالم الكتب والقرطاسيات، قد تكون إجابة سؤالك موجودة فعلاً وسط أمهات الكتب، لكن المعضلة هي في كيفية الوصول إليها، لو أن لديك مثلاً آلة عملاقة لها قدرات خارقة، حين تطلب منها المعلومة تذهب على الفور لتبحث في أمهات الكتب (الورقية) وتأتي بالإجابة بعد ثوانٍ معدودة، لكن الوضع قريب من حياتنا الرقمية الآن، لكن في الحقيقة أن لا وجود لتلك الآلة، ولما الحاجة إليها أصلاً ولدينا (محركات البحث الرقمية) بمختلف أشكالها.

إجابة الأسئلة المستحيلة:يبدأ الدكتور “دانيال رسل” الباحث في شركة قوقل حديثة بأنه يحب “الأسئلة“، وأن عمله في قوقل يتعلق بفهم كيف يطرح الناس الأسئلة ولماذا يطرحونها، وكيف يحصلون على الإجابات، يتحدث عن أننا الآن قادرون ليس فقط على إجابة الأسئلة العادية، بل وأيضاً على الأسئلة المستحيلة “Impossible Questions” ويضرب لذلك مثالاً.

لقد وجد حشرة غريبة (يرقة) في باحة منزلة مثلاً، تغريه بألوانها الزاهية، لكنها لا يعرف ما أصلها وفصلها وهل هي سامة أم لا، لذلك -وبكل بساطة-يصورها ثم يذهب إلى “بحث قوقل للصور” الذي من خلاله يتم البحث عن الصور المشابهة، ثم يجد النتائج المفصلة، ويعرف المعلومات الوافية عن تلك اليرقة. يتساءل: كيف كنت لأعرف تلك المعلومات في السابق؟، المسألة شبه مستحيلة، لكنه عبر خدمة بحث رقمية تمكن من إجابة سؤاله خلال ثوانٍ معدودة.

هل تلك الصورة حقيقية؟ قد تسأل هذا السؤال حين تجد صورة منشورة عن حدث معين أو خبر غير موثوق من صحته، ولأن الفوتوشب (وبقية أدوات تحرير الصور) أصبحت متاحة اليوم للجميع، فإنه يمكن تزييف الحقيقة وخداعك بسهولة، لكن عبر أداة مثل (قوقل للبحث في الصور) يمكن أن تتأكد من الصورة وترى النتائج الأخرى كي تعرف أين وقعت وكيف وقعت وماهي ملابسات الموضوع وبالتالي تصل إلى الحقيقة.

لكن المثير أن الكثير من الناس لا يستخدمون هذه الطريقة السهلة للوصول إلى إجابات أسئلتهم الصعبة، حيث يذكر الدكتور دانيال أن الإحصائية تقول أن 90% من مستخدمي الانترنت لا يعرفون كيف يستخدمون خاصية البحث داخل الصفحة.مهارة الوصول للإجابات قد تواجه مشكلة في حاسوبك أو هاتفك الذكي، فتبحث عن الحل في صفحات الانترنت، تكتب عبارة معينة ثم تفحص النتائج، لا تجد بغيتك، تغير صيغة السؤال، ثم تبحث من جديد، أو ربما تبحث عن الإجابة في المحتوى الإنجليزية بدلاً من العربي، كونها أضخم وأكبر، فليس بالضرورة أن تكون الإجابة غير متوفرة، قد تكون المشكلة في أنك لم تطرح السؤال الصحيح، أو ربما لا تعرف الاداة التي توصلك للإجابة.تبحث في الصورة لتعرف أي معلومة قد تقودك للحل، تجد اسم شركة مكتوب في قمة البرج الكبير، تبحث عن الاسم “عبر محركات البحث” وتصل لمعلومات الشركة ثم تصل عبر موقعهم إلى عنوان البرج، وعبر برنامج “google earth”، ومع خاصية “المجسمات ثلاثية الأبعاد” داخل البرنامج؛ تتمكن من الاستدارة لتعرف الجهة الثانية للبرج، تكتشف أنه مبنى لشركة قوقل، تبحث عن رقم الهاتف الخاص بهم فتصل إليه.

لم يكن ليصل للإجابة لو أنه لا يعرف تلك الأدوات والبرامج، قد تكون الإجابة متوفرة لكن بلغات أخرى، واللغة ما هي إلا أداة وبوابة تفتح لك الطريق للوصول إلى إجابات أكثر وأفضل.

السؤال أولاً أم الإجابة؟

تسأل عضوات المنتدى عن أفضل مدرسة خاصة في منطقة (كذا)، ولأنه منتدى نسائي نشيط، سوف تجد تفاعلاً جيداً، تدخل عضوة أخرى لتكتب تجربتها عن مدرسة (كذا) وعن تقييمها لها، أما تلك فتدل السائلة عن صفحة اخرى فيها سرد لجميع المدارس الخاصة في نفس المنطقة ، حتى تصبح تلك الصفحة في ذلك المنتدى دليلاً جيداً لكل من يريد التعرف على المدارس الخاصة في تلك المنطقة.

لقد صدر السؤال أولاً، ثم أتت الإجابات لاحقاً، في نفس اليوم أو في الأيام التالية، لكن تلك الصفحة ستبقى مكانها ليصل إليها كل من يطرح السؤال من جديد، حتى ولو بصيغ مختلفة، محركات البحث اليوم لديها بعض الذكاء -الاصطناعي-الذي يؤهلها كي تفهم ما يرمو إليه السائل، وسوف تظهر تلك الصفحة في ذلك المنتدى من ضمن النتائج، ستظهر من جديد بعد 3 أو 4 سنوات، فالإجابة قد سبقت السؤال، لذلك تتم الإجابة على السائل مباشرة وبدون تأخير وبأفضل ما يمكن.

إحدى حسنات الشبكات الاجتماعية أنها سهلت علينا التواصل بالكثير من الأشخاص وتبادل الأفكار والمعلومات معهم، دون الحاجة لملاقاتهم على أرض الواقع، من زاوية أخرى، هي وسيلة لعرض سؤالك على مئات بل آلاف الأشخاص بالمجان. حتى تلك الأسئلة التخصصية التي تحتاج لأهل الخبرة، فعادة الشخص يحيط نفسه بمن هم في نفس مجاله، فمن يعمل في حقل التصوير الضوئي ستجد لديه الكثير من المصورين في قائمة أصدقائه، لذلك؛ فعندما يطرح سؤاله سيجد من يجيب.

أخيراً …

يبدأ الإنسان بالتساؤل منذ صغرة، يأتي إلى هذا الوجود لا يعرف شيئاً، يسأل أبويه في البيت، مدرسيه في المدرسة، أصدقاؤه وجميع من حوله، لا يتوقف بحثه وشغفه لمعرفة المزيد، كل إجابة تفتح له طريق، كل طريق يوصل إلى إنجاز، وعبر تلك الإنجازات يبني سلم حياته ويترك بصمته قبل رحيله، فطرح الأسئلة شيء مجبول عليه الناس بالفطرة، والوصول للإجابة بسهولة أصبح أمر وسمة من سمات هذا العصر؛ عصر الانترنت.

أ. اماني المضاحكة
قسم الحاسب الالي
المعهد العالي للخدمات الادارية


 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock