كتاب أكاديميا

أنفال الشمري تكتب : مابين ليلة وضحاها

ها هو صباح اليوم الرابع والعشرون من شهر شباط والساعة تشير إلى السابعة صباحاً، وهذا يعني إنني استهلكت الحد الأقصى في قضاء الدقائق الأخيرة على فِراشي،

‏فلن أنسى إنه اليوم يوم الاثنين أو (اليوم الماراثوني) كما أردد دوماً في كل أسبوع، صباح اليوم الجامعي الطويل الذي ينتظرني وعقارب ساعة معصمي التي لا ترحمني تجري ولا أستطيع اللحاق بها، والتوتر يدق أجراسه كأجراس كنيسة في عقلي، اليوم الذي أكون به مجبرة على تحمل الإنتقادات اللامتناهية من مشرف البحث الذي أقوم به، وكلمته الأسبوعية المعهودة التي يوجهها لي بمثابة صفعة صباحية لطيفة وجارحة بالوقت ذاته ” لنبدأ الآن ببحث الطالبة أنفال المتأخرة بالتقديم دوما” حتى أبدأ بيني وبين نفسي بشتم يوم الأثنين والبحوث والجامعة كل هذا وأنا أرسم على وجهي ابتسامة مصطنعة، غير أن هذا الأسبوع استثنائي حيثُ يُصادف غداً إجازة الأعياد الوطنية لدولتي الكويت، ولن أجعل هذا التوبيخ اللطيف يُدمر فرحتي، وهذا يجعلني أردد بيني وبين نفسي بإنتصارعظيم

( لدي مُتسع من الوقت لأنهي ذلك البحث ).

أنفض هذه الأفكار وأنهض مُسرعة لأذهب إلى الجامعة مسرعة كـ عادتي لأتمكن من اللحاق بمحاضرة الساعة الثامنة حاملة بيدي كُتبي وحاسوبي المحمول الذي لطالما تذمرت من ثقله، تبدأ مُحاضرتي الأولى وعيني تترقب لحظة انتهائها، حتى أُكافئ نفسي بكوب قهوة يعينني في إكمال ما تبقى لي من عمل مع البحث، ودون سابق إنذار تُضيئ شاشة هاتفي وإذا بالمشرف يرسل بريداً الكترونياً يطلب به أن يكون البحث جاهزاً غداً وإنه يريد عمل بعض التغيرات به وإرساله بالبريد الالكتروني، صفعة جديدة في هذا اليوم، لم تُمكني من إكمال قهوتي فقد عادت إلي حالة التوتر والغضب الشديد والسؤال الذي يجول في مُخيلتي وقتها كيف لي أن أُكمل البحث في يوم واحد؟

أحاول جاهدة لضبط انفعالي وإكمال عملي وبداخلي صوتاً يقول أتمنى أن تُطيل هذه الإجازة وأن يتوقف ذلك المشرف عن توجيه طلباته التي لا تنتهي وتثقل كاهلي فيبدو إنه نسي إني طالبة تنتظر مني موادي العلمية الأُخرى جهداً، أُكمل بقية محاضراتي وأنتظر ساعات المشرف المكتبية، الساعة الواحدة ظهراً من مكتبه

‏أنا : السلام عليكم أستاذ محمد .

‏أستاذ محمد : وعليكم السلام .

‏أنا : أستاذ محمد تلقينا منك بريداً الكترونياً تطلب به عمل تغييرات على البحث وإرساله لك غداً، ثم أُكمل كلامي بيأس إنك تُدرك بأن الوقت ضيق ولا يُسعفنا على الإنجاز مع التغيرات الجديدة بشكل جيد.

‏أستاذ محمد : نعم إنني مُدرك ( يقولها وهو يستند على كُرسيه لِـ يُكمل كلامه) إنكم طلاب جامعة أي أنتم مهيئين لمثل هذه الأمور المفاجئة في البيئة الدراسية.

‏أنا ومازال عندي أمل: ولكن …

‏ يقاطعني الأستاذ : لقد انتهى كلامي بإمكانك الخروج.

‏خرجت من مكتبه وأنا أجر أذيال هزيمتي لأنني لم استطع إقناعه للعدول عن قراره بشأن هذا البحث.

‏ أعود إلى منزلي بعد هذا اليوم لأرى المنظر المُتكرر الذي يبعث الطمأنينة في نفسي أمي وهي جالسة كعادتها تقرأ ما تيسر لها من كتاب الله، أعانقها عناقا قوياً وطويلاً وكأنني بهذا العناق أُزيل من فوق ظهري هموم الدراسة وضغوطاتها، ثم أُقبل يديها لأبدأ بروتيني اليومي أسرد لها ما حدث معي.

‏أنا: إنني مُرهقة يا أمي فـ أنا أخشى أن يتراجع تحصيلي الدراسي و لا أُقدم أفضل ما لدي في هذا الفصل.

‏فيأتيني صوت والدتي الهادئ لـ يُطمئنني : لا تُطيلي التفكير بالغد أتركي الغد لرب العالمين، واجعلي جل تركيزك على ما ستُنجزينه اليوم، واستمتعي في أيام دراستك فهي أيام مُتعبة ومُرهقة لكنها أجمل ذكرى تبقى للإنسان في حياته، ستشتاقين لها وتتمني عودتها ولا تنسي بأنه لِكُل مجتهد نصيب.

‏فأُمازحها وصوتي يرتفع : يستحيل أن أشتاق لهذه الأيام.

‏ثم أُسند جسدي على الكرسي وأتناول هاتفي لتفقد برامج التواصل الإجتماعي، وأنا أتنقل بين هذه البرامج هُناك خطب ما في العالم، فأقوم وأنا على قلق ما الذي يحدث؟ ما هذا التوتر والهلع في العالم؟ حتى بدأت تتضح الرؤية امامي لأقرأ بأن هناك

‏( ڤايروس) مُنتشر يُصيب العالم دون سابق إنذار بدأ في الصين قبل ثلاث أشهر تقريباً دمر شعبها وتوفى الآلاف منه، و لديه استطاعه وقدرة مُخيفة على الإنتشارعن طريق العدوى، هذا وقد وصل الڤايروس إلى الدول القريبة منا .

‏وفجأة يُكتشف إصابتين في الكويت ، فـ ثلاث حتى تصل إلى عشرين حالة، هذا التزايد مُخيف فهرعت السلطات والوزارات لأخذ احتياطاتها

‏لتُعلن وزارة الداخلية ( إلغاء جميع مراسم الإحتفالات بالأعياد الوطنية ومنع أي تجمعات تحصل في البلاد ومن يخالف ذلك يُعاقب ) وهذا الأمر يجعلني أبحث أكثرعن ذلك الوباء اللعين ماهو؟ كيف ينتقل لنا؟ ماهي طرق الوقاية منه؟ هل أطمئن للإجراءات الإحترازية التي تقوم بها البلاد أم أخاف ؟

‏ والكثير من التساؤلات التي طرأت علي لحظتها.

‏مايحدث ليست حرب عالمية ثالثة ولا حروب أهلية ولا غيرها من الحروب الواضحة التي يمكن مواجهة عدوك بها و رؤيته بالعين المجردة واعداد السلاح له واستعداد الجيوش والقادة لمحاربته، إنه وباء منتشر دقيق جداً لا يُرى بالعين المجردة، يحصد الكثير من الأرواح دون رحمه !

‏وأُكمل بحث عنه وأنا في أقصى تركيزي :

‏إنه من الممكن أن ينتقل إليك دون أن تشعر بقربه من جسمك !

‏دون أن تستطع محاربته والسيطرة عليه !

‏كالشبح المتخفي يرعب الناس ولا يستطيعون مشاهدته

‏انه مرض خطير وقوي جدا ويجب أن يؤخذ على محمل الجد، فهو ينتشر وجنوده بشكل سريع في كل مكان، ويقتل ضحاياه بدم بارد دون أن يرف له جفناً، أو تدمع له عيناً، لا قلب له ينكسر ليقول : ذلك طفلاً وذلك شيخاً كبيراً، يقتل ويمضي في طريقه تاركاً خلفه جنازة وفقد وحزن.

ها هي إجازة الأعياد الوطنية إنتهت، ولأول مرة والكويت حزينة ومعالم الفرح تحولت لحزن والقلق والخوف يتغلغل بين القلوب، إنتهت الإجازة لتبدأ بعدها مرحلة تمديدها لأسبوعين آخرين وذلك بعد رصد وتزايد حالات الإصابة بفايروس كورونا في الكويت، وإستنفار الطاقم الطبي والطلب من المواطنين بالمكوث في المنازل وعدم الخروج الا للضرورة للحد من إنتشاره، إلا إن هذه الإجرارات لم تؤدي لأي نتيجة، وليصدر بعدها قرار آخر باستمرارية الإجازة في كافة الدوائرالحكومية في الدولة، ويتم رفع حالة الطوارئ القصوى في البلاد .

‏وحينما أنظر للأخبار العالمية أجد أن العالم قد انقلب رأساً على عقب، فكل شيء بإنهيار حتى الأشياء التي يَصعب إنهيارها مثل أسعار النفط ، شركات الطيران العالمية والاقتصاد العالمي ككل ، فالخسائر أصبحت فادحة جدا لأغلب القطاعات، ولا ننسى من ذلك إنهيار المنظومة الصحية في بعض دول العالم، وهذا يعني أن العواقب وخيمة على هذه القطاعات الحيوية المهمة خاصة في هذه الأوقات الصعبة التي يجب أن تكون قوية ومتماسكة حتى يتم القضاء على هذه الجائحة.

‏عادت بي ذاكرتي إلى الوراء قليلاً، إلى تلك اللحظات التي تذمرت بها من الضغط الدراسي، إلى تلك اللحظة التي دعيت بها وتمنيت لو يتم تمديد الإجازة أسبوعاً إضافياً ، الى تلك اللحظة التي قالت لي أمي بها بأن لكل شيء نهاية وأن تلك الأيام ستنقضي .

‏كاد قلبي ينفطرفـ الحياة فقدت الحياة، فكل شيء أصبح فارغاً، العمل في كل مكان متوقف، الجامعات والمدارس فقدت ضجيج الطلاب بها، أصوات الناس التي كانت تملأ الأسواق والمقاهي اختفت، أصوات عمال البناء في المنزل المقابل لنا تلاشت، الشوارع بلا سيارات ولا عابرين ساكنة ومخيفة، المدينة التي كانت تتزين بالألوان وازدحام الناس امام شواطئها أصبحت خاوية على عروشها، والحزن والأسى الفعلي الذي ترك غصه في قلب كل مسلم بأن بيوت الرحمن التي كانت عامرة بذكره أوصدت أبوابها وأصبحت الصلاة في الرحال.

‏يا الله كم إن الحياة مخيفة، ننام على واقع ونستيقظ على واقع آخر، فالجميع أصبح حبيس المنزل بلا عمل ولا هدف، والمؤلم في ذلك كله بأنه لا نستطيع الالتقاء بأحبائنا ولا أصدقائنا، فتحولت عاداتنا الصحية إلى سيئة، فقدنا راحتنا في الليل وأصبح صديقنا السهر، تساوى معنا الليل والنهار، وحتى أيام الأسبوع تساوت بحيث أننا فقدنا الشغف واللهفة لانتظار يوم الخميس والعطلة الأسبوعية، ولا نعلم متى سينتهي ذلك الكابوس الذي أصبحنا عليه؟

‏نحن بني البشر لا ندرك قيمة الأشياء التي بين يدينا إلا بعد أن نفقدها، فكم من نعم كانت محيطة بنا لم نعي بوجودها ولم نشكر الله عليها حق شكره؟‏ كم من زيارات عائلية نشتاق اليها، إلى لعب الأطفال وقصص وضحكات الأجداد؟ كم من أيام مع الأصدقاء نتمنى لو أنها تعود وتعود الحياة معها؟ فكم من شخص قد أصيب وتم عزله عن أهله وأحبته؟

‏حيث يتلقى العلاج على السريرالأبيض مصارعاً الفايروس وحدة بعيداً عن أسرته.

تمر الأيام تتبعها الأسابيع فالأشهر، وها نحن اليوم في منتصف شهر رمضان ولم يتغير شيء، بل الأمر ازداد سوءاً، تتلاطمنا الأخبار يميناً وشمالاً، فتارة نسمع بوجود لقاح وتارة أنه مازال قيد البحث، ونحن مابين ذلك وذاك لا نعلم ماهو المصير؟ ومتى نهاية هذه الأزمة؟ ولكن برغم هذه الظروف المريرة إلا إنه بداخلي وميض أمل وأنا أردد :

‏وغداً تُزهر في البيداء أُمنياتنا ..

‏ ونحوم طيوراً في سماء الفرح ..

‏( سيأتي ذلك اليوم المنشود )

‏مُعلنين به نهاية الوباء وأن الحياة عادت إلى طبيعتها، ومعلنين به بداية نمط حياة مختلف بمبادئ وقيم ومفاهيم ذات طابع فكري واخلاقي مميز وواعي يسمو بالطبيعة الانسانية، وبعد كل تلك الدروس والتجارب آمله بأن نكون أدركنا أن أبسط الأشياء التي كُنا نتذمرمنها هي حكمة من رب العالمين، وأن الحياة بجميع ظروفها الطبيعية ماهي إلا رحمه أمام حال منقلب،متبدل ومجهول المصير.

﴿وَأَمّا بِنِعمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث﴾.

بقلم : انفال الشمري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock