عندما تُضلل المؤشرات: قراءة نقدية لتصنيف المجلات العلمية في التربية الفنية والتصميم | بقلم: د. موفق عبد المجيد

شهدت البيئة الأكاديمية في السنوات الأخيرة اعتمادًا متزايدًا على أنظمة تصنيف المجلات العلمية، ولا سيما التصنيفات الربعية (Q1–Q4) المعتمدة في قاعدة بيانات Scopus، بوصفها معيارًا أساسيًا في تقييم الإنتاج البحثي والترقيات الأكاديمية. ورغم أهمية هذه المؤشرات في توفير أدوات تنظيمية للمقارنة، فإن استخدامها بوصفه معيارًا حاسمًا ومطلقًا يثير إشكاليات معرفية ومنهجية واضحة، خصوصًا في تخصصات التربية الفنية، والاتصال البصري، والتصميم، والدراسات البصرية.
تُعد مجلة Visible Language مثالًا كاشفًا لهذه الإشكالية. فقد تأسست المجلة عام 1967، أي قبل ظهور قاعدة بيانات Scopus نفسها بما يقارب أربعة عقود، وتُعد من أقدم المجلات العلمية المتخصصة في بحوث الاتصال البصري واللغة المرئية. وعلى مدى أكثر من نصف قرن، أسهمت المجلة في تشكيل الخطاب النظري والتربوي في مجالات التصميم الجرافيكي، والطباعة، والثقافة البصرية، والتربية الفنية، وكانت منصة مرجعية لأبحاث أسهمت في بناء هذا الحقل المعرفي منذ نشأته. ومع ذلك، تُصنَّف المجلة حاليًا ضمن الربع الرابع (Q4) في Scopus، وهو تصنيف قد يُساء تفسيره باعتباره مؤشرًا على تدني الجودة العلمية، في حين أن هذا الاستنتاج لا يعكس طبيعة المجلة ولا مكانتها الحقيقية في التخصص.
إن التصنيفات الربعية تقيس في جوهرها معدلات الاستشهاد الحديثة داخل قاعدة بيانات محددة وخلال نافذة زمنية قصيرة نسبيًا، ولا تقيس القيمة العلمية التراكمية، أو الأثر التربوي، أو الدور التاريخي الذي تؤديه المجلات في بناء التخصصات. وفي مجالات مثل التربية الفنية والاتصال البصري، يظهر التأثير العلمي غالبًا من خلال الكتب المرجعية، والمناهج الدراسية، والممارسات التعليمية، والمعارض، والخطاب النقدي طويل الأمد، وهي أشكال تأثير لا تنعكس بصورة عادلة في مؤشرات الاستشهاد الكمي.
ويزداد هذا التفاوت وضوحًا عند مقارنة مجالات التربية الفنية والتصميم بحقول أخرى، ولا سيما العلوم الطبية والطبيعية، التي تتسم بكثافة عالية في النشر وسرعة في دوران الاستشهادات. ففي هذه الحقول، تُنتج المقالات عادةً ضمن فرق بحثية كبيرة، وتُستشهد الأبحاث الجديدة بسرعة ضمن دورات نشر قصيرة، ما يؤدي إلى تضخم مؤشرات الاستشهاد وارتفاع التصنيفات الربعية للمجلات. أما في التخصصات الفنية والإنسانية، فيغلب الطابع الفردي أو النوعي على البحث العلمي، ويظهر تأثيره على مدى زمني أطول، الأمر الذي يجعل المقارنة الكمية المباشرة بين هذه الحقول غير منصفة من الناحية المنهجية.
ولا تقتصر هذه الإشكالية على مجلة واحدة. فهناك عدد من المجلات المرموقة في مجالات التصميم والتربية الفنية والدراسات البصرية، والتي تتمتع بسمعة أكاديمية راسخة وتحكيم علمي صارم، لكنها تُصنَّف ضمن الربعين الثالث أو الرابع. ويعود ذلك إلى طبيعة هذه الحقول التي تتسم بالتقاطع المعرفي، وبطء دورة الاستشهاد، واعتماد البحث فيها على التأمل النظري، والتحليل النقدي، والممارسة الفنية، أكثر من اعتمادها على النشر الكمي المتسارع. إن انخفاض التصنيف الربعي في هذه الحالات لا يعكس ضعفًا في الجودة، بل يكشف حدود المؤشر نفسه عند تطبيقه على تخصصات فنية وإنسانية.
كما أن مجلات التربية الفنية والتصميم غالبًا ما تصدر بعدد محدود من الأعداد سنويًا، وتنشر أبحاثًا معمّقة تتطلب زمنًا أطول للتداول والاستيعاب، وتخاطب جمهورًا متعدد الخلفيات الأكاديمية والمهنية. وهذه الخصائص، التي تُعد من نقاط القوة الأساسية لهذه التخصصات، تتحول في المقابل إلى عوامل تُضعف الأداء في أنظمة التصنيف القائمة على السرعة والكثافة.
إن حصر النشر المقبول لأغراض الترقية في مجلات Q1 وQ2 فقط، رغم كونه مفهومًا من منظور إداري وتنظيمي، قد يؤدي إلى تقييد خيارات الباحثين في التربية الفنية والتصميم، وإلى إضعاف المجلات التخصصية التي تمثل الذاكرة المعرفية للتخصص، وتسهم في الحفاظ على هويته الأكاديمية وتطوره النقدي. كما قد يدفع الباحثين إلى تكييف أبحاثهم قسرًا لتناسب منطق المؤشرات، بدلًا من الانطلاق من أسئلة بحثية أصيلة تنبع من خصوصية المجال.
انطلاقًا من الحرص على العدالة الأكاديمية وجودة التقييم، يدعو هذا المقال إلى تبني مقاربة تقييمية أكثر وعيًا بخصوصية التخصص عند النظر في المجلات العلمية في مجالات التربية الفنية والاتصال البصري والتصميم. فالتصنيفات الربعية ينبغي أن تُفهم بوصفها أداة مساعدة ضمن منظومة أوسع من المعايير، لا معيارًا حصريًا للحكم على جودة النشر. ومن المهم أن يُؤخذ في الاعتبار تاريخ المجلة، وسمعتها في الحقل التخصصي، وصرامة التحكيم العلمي، وتأثيرها في التعليم والممارسة الفنية، إلى جانب المؤشرات الكمية. إن اعتماد هذا التوازن من شأنه أن يحافظ على جودة التقييم المؤسسي، وفي الوقت ذاته يدعم التنوع الفكري ويعزز التطور الحقيقي للبحث العلمي في التخصصات الفنية والإنسانية.


