حرية وهمية | بقلم: أ.مشعل الدويهيس

قـٌصاصات
في زمننا هذا أصبح الاحتكاك بين الثقافات أمراً حتمياً لا يمكننا تجاهله بسبب الانفتاح الكبير الذي نعيشه، ففيه تتلاقى العادات وتتقاطع الأفكار والشعوب تتبادل مظاهر الحياة اليومية، ولكن هذا التداخل ولّد ظاهرة لافته للنظر، وهي قيام بعد الأفراد بنبذ عادات وتقاليد مجتمعاتهم التي نشأوا وتربوا عليها، بحجة أنها من مظاهر التخلف وتكبل حرياتهم ولا تواكب التطور، ويسارعون بنسخ وتبني عادات وتقاليد المجتمعات الأخرى بحجة التحرر والتطور، هؤلاء لديهم إشكال أعمق تتعلق بالانتماء والهوية، معنى الحرية الحقيقية عندهم مغلوط.
عادتانا وتقاليدنا لم تكن مجرد طقوس اجتماعية او ممارسات متوارثة جامدة، هي نتاج من التجارب والقيم ذات تاريخ قديم شكّلت هويته المجتمع، ورسّخت التماسك فيه، فعندما يرفض الفرد موروثات مجتمعه، هو بذلك لا يقوم برفضها بحجة التخلف، هو يرفض جزء من جذوره وذاته، هذا الرفض بالعادة لا يكون بسبب دراسة عقلانية أو وعي نقدي، بل بسبب الانبهار السطحي للثقافات الأخرى، فيعتقد أن الطريق المختصر للحداثة والتقدم هو التقليد لتلك الثقافات.
الحرية ليست في التخلي عن كل ما ورثناه، ومن المعيب وضع موروثاتنا في خانة التخلف فقط لأنها غير مشابه للآخرين، الحرية الحقيقية امتلاك القدرة على معرفة السلبي والايجابي في عادتنا وتقاليدنا، ونحافظ على ما يتناسب مع القيم الإنسانية ويميز هويتنا، وتجاهل مع يعيق تطورنا، والاستفادة من الثقافات الأخرى استفادة واعية تضيف إلينا قيم حقيقة لا تتنافى مع عاداتنا وتقاليدنا، لا تقليد أعمى للمظاهر السطحية لا تناسبنا لا من قريب أو بعيد.
بعض الافراد يجهلون الفرق بين جوهر الحداثة ومظاهرها، فيظنون ان تبني أنماط حياة معينة واستخدام مصطلحات وملابس غريبة ودخيلة هي التطور بحد ذاته، بينما واقع التطور وحقيقته يرتبط ارتباط كلي بالمعرفة والعلم والقدرة على التفكير النقدي، لا بالشكليات التي تتغير من زمن إلى آخر، حتى المجتمعات المتقدمة لم تتطور بتقليد الآخرين، وتطورت بتمسكها بهويتها وجوهرها وتطويرها بما يتناسب مع متطلبات العصر الحديث.
المقلدين والذين ينبذون هويتهم هم للأسف يخسرون من الجهتين، فالمجتمعات التي يقلدونها لا يتعرفون فيهم اعتراف كامل وكذلك لأن التقليد من المستحيل أن يحل محل الأصل، وفي مجتمعاتهم يخسرون الروابط الاجتماعية والثقافية، وبالتالي جون أنفسهم معزولين أو محل سخرية، والشعور المزدوج بالرفض يؤدي إلى الإحساس بالضياع وعدم القدرة على تحديد المسار بالإضافة إلى فقدان الثقة بالنفس.
التوازن مطلوب في التمسك بالجذور والانفتاح على المجتمعات الأخرى، وهذا ما يجعلنا قادرين على مواكبة العصر دون فقدان هويتنا أو ضياع في دوامة التقليد، التحرر ليس بالتخلي عن العادات والتقاليد، بل على القدرة على تكييفها وتطويرها، وهذا ما يجعل المجتمعات تنجح في الحفاظ عليها بالرغم من الانفتاح الكبير والتبادل الثقافي في العالم.
Insta: @Duwaihees
Email: [email protected]




