سنة من التعطيل: أزمة لائحة الترقيات ولجنة المجلات… من يتحمّل المسؤولية؟ | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان

مرت سنة كاملة على بدء تطبيق لائحة الترقيات الأكاديمية الجديدة في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، ومع مرور هذا العام كانت الآمال معلّقة على أن تُسهم اللائحة في تحقيق جودة أعلى للبحث العلمي، وتطوير منظومة الترقية، وتعزيز ثقة عضو هيئة التدريس بالإجراءات الأكاديمية. لكن الواقع كشف — بكل أسف — عن نتيجة معاكسة تمامًا؛ فبدلاً من تحقيق الاستقرار، دخلت العملية الأكاديمية في دائرة من التعطيل غير المبرر، وتعقيد المسارات، وغياب الوضوح في التوجيه والقرار.
في المؤسسات الرصينة، تُراجع اللوائح استنادًا إلى تغذية راجعة من الميدان الأكاديمي، عبر حوار مؤسسي شفاف يضمن عدم وقوع الباحثين بين لوائح جديدة وواقع إداري غير مهيأ للتنفيذ. إلا أن إدارة الهيئة — رغم التنبيه المبكر على المثالب التي شابت اللائحة وآلية تنفيذها — التزمت صمتًا إداريًا ممتدًا منذ العام الماضي، ليجد أعضاء هيئة التدريس أنفسهم أمام مشهد يختزل السؤال إلى جملة واحدة: من يتحمّل كلفة هذا التعطيل؟
أولاً: حصاد سنة من التعطيل
منذ شهر أغسطس الماضي، توقفت إجراءات اعتماد المجلات العلمية، وبقيت ملفات التقديم مركونة دون حركة خلال الصيف، ثم استمر الجمود حتى بعد بدء الدراسة في سبتمبر بسبب انتظار إعادة تشكيل اللجان وفتح النظام إلكترونيًا. والنتيجة العملية:
• تعطّل الباحثين عن النشر لمدة 3شهورمن الآن .
• تعطيل الباحثين عن تحقيق متطلبات اللائحة الجديدة.
• لايوجد أي إعتبار لتأخيرالمتقدمين للترقية الذين كانوا مستوفين متطلبات الترقية قبل تطبيق اللائحة
فهل يُعقل أن يقضي عضو هيئة التدريس سنوات في البحث والنشر، ثم ينسف هذا الجهد بحجة تطبيق لائحة جديدة ؟
وهل يعقل بأن تطبق اللائحة بأثر رجعي لكل من استكمل متطلبات الترقية حسب اللائحة القديمة ؟
أليس من وضع اللائحة القديمة هي لجنة معتمدة من الهيئة وتمت ترقية أعضاء هيئة التدريس الذين هم الآن هم أعضاء لجان الترقيات وأعضاء لجان اعتماد المجلات العلمية ؟
ثانياً: إشكالات إجرائية وتفسيرية أربكت المشهد
لا تقف المشكلة عند حدود التأخير، بل تمتد إلى:
- تفسيرات متباينة لنصوص اللائحة دون دليل إجرائي واضح
- انتقائية في التطبيق رغم وحدة النص.
- عدم الرد على استفسارات الأقسام حول معنى بنود مؤثرة
- غياب مسار مؤسسي ثابت يضمن العدالة وتكافؤ الفرص
إن لوائح لا تراعي جميع شرائح هيئة التدريس، ولا تملك أدوات تطبيق شفافة، ستُبقي العملية الأكاديمية رهينة للاجتهادات الفردية لا للمعايير المؤسسية.
ثالثاً: خلل في فلسفة اعتماد المجلات… لا في تفاصيلها فقط
من أبرز الإشكالات اشتراط أن تكون المجلة العربية صادرة عن جامعة معتمدة من الجهاز الوطني للاعتماد الأكاديمي. ورغم أن ظاهر الشرط يوحي بالحرص على الجودة، إلا أنه في جوهره يمثل خلطًا بين مجالين مختلفين:
• الجهاز الوطني يعنى باعتماد البرامج الأكاديمية الموجهة للطلبة
• بينما تُقاس جودة المجلات بمعايير تحكيم وفهرسة ونزاهة ودورية صدور
والسؤال هنا:
هل الاعتماد المؤسسي للجامعة يعني بالضرورة جودة مجلاتها العلمية؟
الإجابة عالميًا: لا.
فهناك مجلات رصينة معتمدة دوليًا ولا تصدر عن جامعات أصلاً، بينما جهات مثل:
COPE – DOAJ – Scopus – Web of Science
هي المعنية فعليًا بقياس جودة النشر العلمي.
وبذلك فإن الشرط بصيغته الحالية ضيّق واسعًا، وخلق أزمة بلا سند علمي أو مهني.
رابعاً: الخسائر الواقعية
لقد أدى التعطيل إلى:
• نسف جهود امتدّت 4 سنوات من البحث والنشر
• إحباط الدافعية البحثية لدى أعضاء هيئة التدريس
• تعطيل الاستقرار الأكاديمي والوظيفي
• إضعاف البيئة العلمية داخل الأقسام
فالباحث الذي يُفترض أن ينصرف إلى مشاريعه العلمية، وجد نفسه عالقًا في إجراءات خارج صلب العملية الأكاديمية.
خامساً: ما الذي نريده اليوم؟
لسنا ضد التطوير، بل مع تطوير واقعي لا يهدم الموجود ولا يعطل المستقبل. ومن هنا تأتي الحاجة إلى:
- مراجعة على لائحة الترقيات وبعض بنودها المبهمة والغير منطقية
- مراجعة آلية ومعايير اختيار المجلات العلمية وأهداف الجنة.
- إصدار دليل إجراءات واضح غير قابل للاجتهادات المتباينة
- احترام الحقوق المكتسبة والاستقرار القانوني للمراكز الأكاديمية
خاتمة
لقد بات من الملح أن تُعيد الهيئة فتح هذا الملف بروح الشراكة لا الوصاية، فالتطوير لا يتحقق بالصمت الإداري ولا بإغراق الباحث في المتاهات، بل ببناء منظومة عادلة ومرنة وشفافة تُعيد الثقة، وتُحرر البحث العلمي من قيوده البيروقراطية.
ويبقى السؤال قائمًا حتى الآن — وبكل مسؤولية:
من سيعيد المشهد الأكاديمي إلى مساره الصحيح؟



