الجامعات الخاصةكتاب أكاديميا

عبد العزيز الرشيد بعيون طالبة في عام 2026م

وددتُ أن أكتب عن هذه الشخصية الكويتية التي لعبت دورًا هامًا في كتابة تاريخ الكويت، لما تركته من أثر واضح في توثيق تاريخ الوطن وحفظ ذاكرته للأجيال اللاحقة. ومما دعاني إلى الكتابة عن هذه الشخصية أن الشيخ عبد العزيز الرشيد تصدّى لعملٍ وطنيٍّ بطولي، لا يقل أثرًا عن دور من يحمل البندقية في أرض المعركة؛ إذ حمل قلمه مسؤولية تأريخ ما يقارب ثلاثمئة عام من تاريخ الكويت، في وقتٍ لم يكن فيه هذا التاريخ قد نال ما يستحقه من التدوين والتوثيق. وقد ازددتُ دهشة بقوة شخصيته وصبره، ولا سيما أنه لم يجد وثائق مكتوبة كافية يعتمد عليها، مما صعّب مهمته ودفعه إلى بذل جهد مضاعف في جمع الروايات وتمحيصها. فقررتُ الكتابة عنه تكريمًا له على جهده الوطني، وتقديرًا لدوره الريادي في حفظ تاريخ الكويت.

يُعد الشيخ عبد العزيز أحمد الرشيد البداح من أبرز الشخصيات العلمية والفكرية في تاريخ الكويت، بل هو أول من تصدّى لكتابة تاريخها بصورة منهجية قائمة على الجمع والتوثيق والتحليل. وقد اختلفت المصادر في تحديد سنة ولادته؛ فقيل إنها عام 1883م، وقيل عام 1887م. نشأ محبًا للعلم منذ صغره، فتلقى تعليمه الأول على يد الملا زكريا الأنصاري، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة. وكان لوالده، وهو تاجر متدين، أثر واضح في غرس حب العلم والدين في نفسه.

وعلى الرغم من انشغاله بأعمال التجارة، لم ينقطع عبد العزيز الرشيد عن طلب العلم، فتتلمذ على يد الشيخ عبد الله الخلف الدحيان، ودرس فقه الإمام أحمد بن حنبل. وعُرف منذ شبابه بحبه للعلم والارتحال في سبيل تحصيله ونشره، وهو ما ميّز شخصيته العلمية والفكرية.

حظي الشيخ عبد العزيز الرشيد بدعم الشيخ أحمد الجابر الصباح رحمه الله، الذي آمن بأهمية التعليم ونشر المعرفة، وساعده في إنشاء المدرسة الأحمدية، التي عُدّت من المدارس المتقدمة في ذلك الوقت، إذ جمعت بين العلوم الدينية والعلوم الحديثة، وأدخلت مواد جديدة مثل العلوم واللغة الإنجليزية. كما أسهم الرشيد في إنشاء النادي الأدبي، في دلالة واضحة على اهتمامه بنشر الثقافة والفائدة بين أفراد المجتمع. وإلى جانب نشاطه التعليمي، كان له حضور ديني بارز، إذ عُرف بالصلاح والدعوة إلى التمسك بتعاليم الإسلام، ومن أشهر مؤلفاته في هذا المجال كتاب «إظهار الحق» الذي تناول فيه المقارنة بين الأديان والمذاهب.

لم يكن عبد العزيز الرشيد يكتفي بما حصّله من علم، بل كان يشعر دائمًا بالحاجة إلى المزيد، فدفعه ذلك إلى الارتحال إلى المراكز العلمية في المنطقة. فكانت رحلته الأولى إلى الزبير خلال عامي 1903م–1904م، وكان عمره آنذاك ثمانية عشر عامًا، حيث درس الفقه والفرائض والنحو، وكان من أبرز شيوخه محمد بن عوجان. ثم انتقل إلى الأحساء عام 1906م، ودرس فيها ألفية ابن مالك في النحو ورسائل في الصرف.

واصل الرشيد طلبه للعلم في بغداد، فتتلمذ على يد الشيخ محمد شكري الألوسي وعلاء الدين الألوسي، ودرس شرح السيوطي على ألفية ابن مالك، وهي من أهم المتون النحوية واللغوية. كما تعددت رحلاته العلمية إلى الأستانة والقاهرة وبلاد القوقاز في روسيا وبلاد الشام، إضافة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكان هدفه من تلك الرحلات الاطلاع على مراكز العلم والحياة الثقافية.

توجّه عبد العزيز الرشيد إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، ثم أقام في المدينة المنورة طلبًا للعلم، فدرس ألفية العراقي وكتابَي: “جمع الجوامع”، “وعقد الجمان” للسيوطي، ومكث فيها عشرة أشهر عام 1912م. كما أنشأ في مكة مدرسة دينية في حي الخندريسة بالقرب من الحرم المكي، وسماها باسم السيدة صولة النساء بيغم، وكان لهذه المدرسة دور بارز في نشر العلم في الحجاز.

كان حب الرشيد لوطنه دافعًا رئيسًا له لتأليف كتاب عن تاريخ الكويت، أراد من خلاله أن يقدّم خدمة علمية لوطنه. فجمع معلوماته من الرواة الذين وثق بأقوالهم، وكان يزورهم في مجالسهم، مثل حمد الخالد، وشملان آل سيف، وحامد النقيب، وغيرهم من الرواة الموثوقين، ثم يوازن بين الروايات ويختار أصحّها. وكان يقطع المسافات بين مناطق الكويت، ولا سيما قبلة وشرق، بحثًا عن الأخبار التاريخية، معبرًا عن ذلك بقوله: “أدوّن ما علق بأذهان إخواني الكويتيين”.

وقد حظي في هذا العمل بدعم الشيخ أحمد الجابر الصباح، الذي زوّده بالمستندات اللازمة، وأشار إلى أهمية توثيق تاريخ الكويت بقوله:” أن يسألنا أجنبي عن تاريخ بلدنا وعن أخبار من أسسها من آبائنا الأقدمين فيكون جوابنا السكوت”، كما وثّق الرشيد في كتابه إحدى أهم المعارك في تاريخ الكويت، وهي معركة الجهراء عام 1920م، حيث شارك في الدفاع عن البلاد، وكان شاهدًا على أحداث المعركة، وعايش تفاصيلها الدقيقة.

تضمّن كتاب تاريخ الكويت في القسم الأول من جزئه الأول ثمانيةً وستين موضوعًا تناولت شخصيات وأحداثًا بارزة في تاريخ البلاد. أما القسم الثاني من الجزء الأول، فقد تميز بدقة أكبر، وتناول حكّام الكويت، مستعرضًا أحداثًا محلية وخارجية تمتد لنحو ثلاثمئة عام، وتضم قرابة مئتي موضوع. كما اشتمل الكتاب على عدد كبير من النصوص الشعرية، تجاوزت ألف بيت في الجزء الأول من القسم الأول، وبلغت 271 بيتًا في الجزء الثاني، مما يدل على اهتمام المؤلف بالأدب والشعر. ويُعد هذا الكتاب مرجعًا تاريخيًا مهمًا، كونه أول عمل شامل يؤرخ لتاريخ الكويت.

وعقب عودته إلى الكويت، عُيّن الشيخ عبد العزيز الرشيد مديرًا لمدرسة المباركية، وشارك في مجلس الشورى الكويتي الأول عام 1921م الذي أنشأه الشيخ أحمد الجابر للمشاركة في إدارة شؤون البلاد والنظر في شؤون المواطنين، تقديرًا لمكانته العلمية. كما أسس أول مجلة كويتية حملت اسم «مجلة الكويت»، وأسهمت في نشر الوعي والثقافة وإصلاح المجتمع، إلا أنها توقفت عن الصدور بسبب الظروف المادية، قبل أن ينجح في إعادة إصدارها لاحقًا في إندونيسيا.

توفي الشيخ عبد العزيز الرشيد عام 1938م في إندونيسيا، بعد أن ترك إرثًا علميًا وفكريًا غنيًا، ظل حاضرًا في الذاكرة الوطنية، واستفادت منه أجيال من الباحثين والطلاب، ليبقى اسمه مرتبطًا بريادة كتابة تاريخ الكويت وحفظ ماضيها للأجيال القادمة.

إعداد الطالبة: منيرة مبارك الحسيني
إشراف: د. مبارك جازع
كلية الكويت للعلوم والتكنولوجيا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock