دعونا نرفع الغطاء عن المحرك لنرى كيف يعمل: تحليلات التعلم [2] | بقلم: د. حمود العبدلي

الأداة التي تعدنا برؤية المتعلم بوضوح؛ تصميمها يجعلنا نراه كـ سلعة
في سياق التحول الرقمي يتم تقديم تحليلات التعلّم (Learning Analytics) ليس كأداة إضافية، بل كثورة بيداغوجية تعد بتحقيق حلمطالما استعصى على الإصلاحات التربوية التقليدية وبقي كحبر على ورق ومجرد نظريات ومبادئ استحال تحقيقها وهو التعليم المخصص والفعال للجميع، تقوم هذه السردية الرسمية على ثلاثة وعود مترابطة تحول الفصل الدراسي من صندوق أسود غامض إلى نظام شفاف قابل للهندسة والتحسين.
الوعد الأول هو التشخيص والتنبؤ الاستباقي حيث تعد هذه الأنظمة بالعمل كنظام رادار يحلل بصمات الطلاب الرقمية لتحديد المعرضين لخطر الفشل مبكرًا، أما الوعد الثاني والأكثر طموحًا والأكثر إغراءً لمجتمع التعليم هو وعد التخصيص الشامل (التعليم التكيفي Adaptive learning) الذي يعد بتقديم مسار تعليمي فريد لكل طالب يتناسب مع وتيرته واحتياجاته متجاوزًا بذلك نموذج مقاس واحد يناسب الجميع الذي لم تستطع تجاوزه كل أنظمة التعليم حتى الآن.
أما الوعد الثالث فهو تمكين المعلم من خلال تعزيز ذكائه (Intelligence Augmentation)؛ حيث تقوم الأنظمة بأتمتة المهام الروتينية لتحرير وقته وتزوده في الوقت نفسه بـ قوى بياناتية ضخمة (Big data) عبر لوحات معلومات (Dashboard) تحليلية تكشف عن رؤى عميقة حول تعلم طلابهلم تكن متاحة له من قبل.
فعندما نجمع هذه الوعود الثلاثة معًا -التنبؤ بالخطر، وتخصيص المسار، وتمكين المعلم- نحصل على رؤية تعليمية تبدو فيها التكنولوجيا قادرة أخيرًا على حل التناقضات القديمة بين الجودة والكم، وبين الكفاءة والإنسانية، هذه هي القوة الكاملة للوعد المعلن وهو الوعد الذي يجعل مقاومة تبني هذه الأدوات تبدو كمقاومة للمستقبل نفسه.
لكن…! خلف هذا الوعد البراق يكمن واقع تقني أكثر قتامة وإشكالية يرتكز على افتراض خطير هو الحياد التقني، حيث تفترض هذه النظرة أن البيانات هي انعكاس موضوعي للواقع وأن الخوارزميات هي أدوات رياضية محايدة، لكن عند تكبير العدسة النقدية ينهار هذا الافتراض ليكشف عن أن المحرك مصمم بطريقة تعيد إنتاج وتضخم اللامساواة القائمة.
تبدأ المشكلة من سوء فهم أساسي لطبيعة البيانات فنحن غالبًا ما نتعامل مع البيانات وكأنها حقائق موضوعية نكتشفها، مثلما يكتشف عالم الجيولوجيا صخرة، لكن الحقيقة هي أن البيانات أشبه بـ الصورة الفوتوغرافية التي نلتقطها فالصورة ليست هي الواقع الكامل، بل هي تمثيل له تم صنعه من خلال سلسلة من الخيارات الواعية: لقد اخترنا أن نوجه الكاميرا نحو الزهرة الجميلة وتجاهلنا عمدًا سلة المهملات التي بجانبها.
وبالمثل فإن البيانات التعليمية لا تكتشف حقيقة الطالب بل تصنع صورة عنه بناءً على ما نقرر أن نقيسه (مثل درجات الاختبارات)، وما نقرر أن نتجاهله (مثل ظروفه الاجتماعية أو إبداعه)، إن هذه الخيارات المسبقة هي التي تزرع بذور التحيز في البيانات منذ لحظة ولادتها، إن عملية تحويل التعليم إلى بيانات (Datafication) هي عملية اختزال عنيفةوتسطيح ساذج للواقع التربوي المعقد؛ فمفاهيم مثل الفهم العميق أو الإبداع يتم ترجمتها قسرًا إلى متغيرات وكيلة مبسطة وقابلة للقياس مثل عدد النقرات، هذه العملية لا تبسط الواقع فحسب بل تشوهه، حيث تتجاهل جميع أشكال التعلم التي لا تترك بصمة رقمية، وتخلق نسخة مسطحة ومختزلة من المتعلم مبنية على تحيزات من يملكون سلطة التصميم والقياس.
تصبح هذه البيانات التاريخية المشوهة هي المادة الخام التي تتعلم منها الخوارزميات، وهنا تكمن خطورة العملية: تدريب الخوارزمية على التحيز؛فالخوارزميات لا تفهم العالم بل تتعلم من خلال تحديد الأنماط في البيانات، فإذا كانت البيانات تعكس تحيزات مجتمعية قائمة (مثل حصول الطلاب من خلفيات معينة على درجات أقل بسبب عوامل بنيوية)، فإن الخوارزمية ستتعلم هذا النمط ليس كـ تحيز يجب تصحيحه، بل كـ قاعدة يجب اتباعها، والنتيجة “قمع خوارزمي” اي أن النظام لا يقوم فقط بـ إعادة إنتاج التحيز، بل يقوم بـ تضخيمه وأتمتته محولاً ارتباطًا إحصائيًا متحيزًا إلى قاعدة تنبؤية موضوعية ظاهريًا.
وأخيرًا نصل إلى مخرجات تضفي الشرعية على التحيز، فعندما يتم تطبيق هذه الخوارزميات المتحيزة على نطاق واسع في قرارات حاسمة فإنها تتحول إلى ما تسميه كاثي أونيل أسلحة دمار رياضي (Weapons of Math Destruction)، إن الخطر الأكبر لهذه الأنظمة ليس فقط في أنها تخطئ بل في قدرتها على إضفاء الشرعية على أخطائها، فالخوارزمية لا تقول أنا متحيزة بل تقول البيانات تشير إلى ذلك مما يحول قرارًا تمييزيًا إلى حقيقة رياضية لا يمكن الجدال فيها، إنها تمارس التمييز تحت ستار الحياد التقني، وبهذا فإن المحرك الذي وعدنا بالإنصاف والموضوعية يصبح في الواقع آلة متقنة لإخفاء التحيز وأتمتته ومنحه شرعية لم يكن ليحلم بها من قبل.
إن العواقب النهائية لهذا الواقع الخفي تتجاوز مجرد التحيز في التصنيف لتصل إلى التأثير الأخطر على الإطلاق: قدرة هذه الأنظمة ليس فقط على وصف الواقع بل على هندسة الفشل بشكل فعال، فالتنبؤات التي تقدمها أنظمة تحليلات التعلم ليست مجرد ملاحظات سلبية بل هي أفعال قوية تتدخل في الواقع وتغير مساره غالبًا بطرق تؤكد صحة التنبؤ الأصلي، إنها تعمل كآلات قوية لخلق نبوءات ذاتية التحقق (Self-fulfilling Prophecies)، وهي حلقة مفرغة ومدمرة تحول التنبؤ بالفشل إلى سبب مباشر له.
تصبح هذه الآلية واضحة بشكل مقلق عند تطبيقها في الفصل الدراسي فعندما يقوم نظام خوارزمي بتصنيف طالب ما على أن وضعه مرتفع الخطورة فهذا التصنيف لا يبقى مجرد معلومة في النظام، بل يصبح حقيقة اجتماعية جديدة تؤثر على تصورات وسلوكيات جميع الفاعلين؛ يتأثر المعلم الذي قد يخفض توقعاته من الطالب بوعي أو بغير وعي، ويتأثر الطالب نفسه الذي قد يفقد دافعيته وإيمانه بقدراته، وبهذه الطريقة لا تتنبأ الخوارزمية بالفشل فحسب بل تساهم بنشاط في إنتاجه مما يخلق حلقة مفرغة حيث يؤدي الأداء السيئ الجديد إلى تأكيد صحة التنبؤ الأصلي للنظام.
تتفاقم هذه المشكلة بسبب ديمومة هذه التصنيفات، أو ما يمكن تسميته بـ الوصم الرقمي (Digital Stigma) فخلافًا لحكم المعلم الإنساني الذي قد يكون مؤقتًا وسياقيًا وهو ما يسمح للمتعلم بتعديل سلوكه وإعادة بناء شخصيته والقطيعة مع السلوك السابق، فإن التصنيف الخوارزمي يتم تسجيله في ملف الطالب الرقمي بشكل دائم، وقد يتبعه كـ بصمة رقمية سلبية لبقية مسيرته التعليمية، بل ولمسيرة حياته بأكملها يصنع منه انسان غير سوي يحبسه في المسار الذي تنبأت به الخوارزمية له في البداية مما يحد من فرصه المستقبلية.




