كتاب أكاديميا

حين ينعدم الإستعداد وتغيب الدافعية… تكون أزمة مدخلات في أقسام الفنون | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان

في بيئة التعليم الفني، يُعد “الاستعداد” هو الأرضية الأساسية التي تُبنى عليها تجربة الطالب الجامعية؛ استعدادٌ معرفي ونفسي ومهاري، يُشكّل قاعدة الانطلاق نحو التعلم والتخصص. وعندما يغيب هذا الاستعداد، تصبح التجربة التعليمية هشّة، وغير قادرة على النمو أو التفاعل. وإذا ما أضفنا إلى ذلك غياب الدافعية الذاتية، فإننا أمام خلل جوهري في مدخلات التخصصات الفنية.

ومن خلال خبرتي التدريسية المتواضعة التي تزيد عن 15 سنة في تدريس الفنون، لاحظت أن هذه الدافعية كثيرًا ما تكون غائبة أو مشوشة لدى نسبة كبيرة من الطلبة الجدد، وهو أمر يستدعي وقفة تأمل وتقييم.

لقد أصبح من الشائع أن يُقبل الطالب على تخصص الفنون بدوافع لا ترتبط إطلاقًا بالشغف أو الاستعداد الفطري لهذا المجال؛ فمنهم من يتأثر برغبة الأهل، ومنهم من ينجرف مع خيارات زملائه، ومنهم من يظن أن التخصص سهل أو لا يتطلب جهدًا كبيرًا مقارنة بتخصصات أخرى. وهذا التصور، على بساطته، يحمل في طياته خللًا خطيرًا ينعكس مباشرة على جودة التعليم والإنتاج الفني وعلى مستقبل الخريجين لسوق العمل.

إن الفنون، بطبيعتها، لا تُدرّس كما تُدرّس العلوم الأخرى ، بل تعتمد على التعلم من خلال الممارسة ، التفكير البصري، الحس الجمالي، والمهارات اليدوية. وهي قدرات تنمو وتتطور ببطء وتكتسب مع تراكم الخبرة عبر الزمن، ولا يمكن زرعها فجأة في طالب لم يسبق له أن خاض تجربة فنية ، أو تذوق عملا ، أو عبر بلغة بصرية .

الأزمة التي نواجهها اليوم لا تتعلق فقط بنقص المهارات الفنية لدى الطالب المستجد، بل بغياب التصورات المعرفية والفكرية الأساسية التي تُبنى عليها التجربة الفنية.

الطالب الذي لم يتعرض للفن سابقًا، ولم يزر معرضًا، ولم يقرأ سطرًا في كتاب تاريخ الفن، يجد نفسه فجأة أمام مقررات تتطلب مرونة ذهنية وحسًا نقديًا ومخزونًا بصريًا وثقافيًا يصعب تعويضه في غضون سنوات الدراسة الجامعية.

ولعل هذا الخلل في المدخلات يفسّر كثيرًا من التحديات التي تواجه أعضاء هيئة التدريس في أقسام الفنون، بدءًا من صعوبة تحفيز الطلبة، مرورا بضعف التفاعل الصفي ، وانتهاءً بضعف جودة مشاريع التخرج والمخرجات البحثية.

إن تجاوز هذه الإشكالية يتطلب منا إعادة التفكير في آليات القبول في التخصصات الفنية، من خلال تطوير أدوات لقياس الميول والقدرات، مثل ، اختبارات القدرات الفنية، بل وربما المعارض التمهيدية في مراحل ما قبل الجامعة. كما لا بد من نشر الوعي المجتمعي بأهمية الفنون ومكانتها في منظومة التعليم والاقتصاد الوطني، وهو ما يتطلب حملة إعلامية تربوية متكاملة، تشارك فيها الجهات التعليمية والوزارات المعنية ووسائل الإعلام.

إن الفنون ليست “خيارًا سهلاً”، بل هي من بين التخصصات التي تتطلب مخزونا معرفيا وبصريا ومهاريا .
وإذا أردنا لمخرجاتنا أن تكون فاعلة في التنمية الثقافية والبصرية، فعلينا أن نبدأ من الجذور، من بناء دافعية حقيقية لدى الطالب، ومنح الفرصة لمن يستحقها ويملك أدواتها منذ البداية.

د. خالد الهيلم الزومان
الأستاذ المشارك في قسم التربية الفنية – بكلية التربية الأساسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock