كتاب أكاديميا

محمد الأحمدي يكتب: لا حاجة لمراجعة الأدبيات البحثية في العلوم الاجتماعية

إن من المتعارف عليه في البحوث العملية أن تتم مراجعة الأدبيات البحثة، والدراسات السابقة، والإطار المفاهيمي، أو النظريات ذات الصلة بالفكرة البحثية قبل الشروع في عملية جمع البيانات وتحليلها، أو حتى بناء أدوات جمع البيانات لأنها تسهم في تنوير الباحث، وتوجيه لإنضاج أسئلة الدراسة، وأهدافها، وتحديد الفجوة البحثية التي تتطلب الدراسة، وتضيف للحقل العملي معرفة جديدة.

وهذا التوجه له سند فلسفي في الفلسفة الوضعية أو ما بعد الوضعية التي تستخدم المدخل الاستنتاجي الذي يسمى بمعنى آخر “من الكل إلى الجزء” حيث يبدأ الباحث بالانطلاق من النظرية إلى الوصول لنتيجة من النتائج. فإن اتفقت هذه النتيجة مع الفروض المقترحة تسمى في هذه الحالة بالتأكيدية، وعندما تختلف معها تسمى بالدحضية.

كما أن لمراجعة الأدبيات البحثية قبل جمع وتحليل البيانات سند آخر يظهر في الفلسفة التفسيرية التي تشيع في كثير من أساليب البحوث النوعية حيث أن هذه الفلسفة تموضع المعرفة المنتجة من المشاركين في إطار السياق الذي نشأت فيه. فهي قائمة على الفكر الجمعي الذي يُشَكل من معاني، وخبرات، ومعتقدات، وتصورات الجمهور مشتركات عامة توضح الواقع والحقيقة والمعرفة. ولهذا فإنها تقوم بعملية الجمع بين آراء المشاركين لصناعة مشتركات بين المعاني والمدلولات التي يشيرون إليها للوصول لإجابات لأسئلة الدراسة.

وعلى هذا فإنها تحمل في روحها معنى التكامل الجمعي الذي يسمح للدراسة أن تلتقي مع الأفكار، والمعارف، والمفاهيم، والنظريات، والمعتقدات السابقة في الأدبيات البحثية قبل مرحلة جمع البيانات النوعية لتخدم علمية البحث، وإجراءاته، من التبرير للمشكلة، وأهميتها، وتحديد نقطة الانطلاق لاستكشاف هؤلاء المشاركين حتى الوصول للنتيجة ووضعها في موضعها الصحيح في المجال العلمي.

لكن على الرغم من نفعية مراجعة الأدبيات البحثية للباحث، وللمشكلة البحثية، ولأسئلة الدراسة، ومدى إدراك المفاهيم المتصلة بالظاهرة، أو بناء النموذج الذي يمثل خطوات الدراسة بوضوح قبل مرحلة جمع البيانات في البحوث النوعية، إلا إن هناك رأي يرى بتأثيرها على دراسة الظاهرة، وعلى الباحث الذي يرمي للوصول إلى نظرية في العلوم الاجتماعية كنتيجة لدراسة السلوك المجتمعي.

ومن أوائل من قال بهذا الرأي الأستاذين الأمريكيين جلاسر وستراوس في عام 1968م حينما اعتقدا أن على الباحث ألا يراجع الأدبيات البحثية قبل جمع وتحليل البيانات النوعية التي تهدف للوصول إلى نظرية في العلوم الاجتماعية من أجل أن يتجنب الباحث المفاهيم المسبقة في الأدبيات البحثية والدراسات السابقة، والتركيز على مرحلة جمع البيانات التي تؤدي إلى بناء النظرية من الملاحظات أو من الجزء إلى الكل بطريقة استقرائية.

وبطريقتهم هذه التي اعتبرت بديلاً عن الطريقة التقليدية “المدخل الاستنتاجي” التي تقوم باختبار العلاقات، أو المفاهيم الموجودة في المجال وتحديدها بشكل مسبق. على سبيل المثال في البحث النوعي الأنثروبولوجي يميل ألا يكون لدى الباحث افتراضات أولية واضحة على الأقل تؤثر في سير البحث، وتقوم بتوجهه الملاحظات على الرغم من أن هذا الرأي يبقى نظرياً. فكما هو معلوم بأن الإنسان مجموعة متراكمة من الخبرات، والمعارف السابقة التي تشكل رؤيته للحياة، والواقع، وحتى الملاحظات.

وفي ذات الوقت الذي يمنع الباحث من التأثر بمراجعة الأدبيات البحثية لما بعد جمع وتحليل البيانات فإن الأمر يتطلب منه الاطلاع على السياق المستهدف، من أجل فهمه فهماً عميقاً قبل البدء في مرحلة جمع البيانات، وهذا جزء من إعداد الباحث ليصل إلى رؤية واضحة حول استخلاصاته اللاحقة الناتجة من العملية الاستقرائية.

إن تجاهل مراجعة الأدبيات البحثية، أو قراءة الدراسات المتعلقة بفكرة بحثية في النوع الاستقرائي من النظرية المجذرة على سبيل المثال يهدف كما أشرت سلفاً إلى تطوير نظرية جديدة ترتكز على مرحلة جمع وتحليل البيانات بطريقة منهجية، وعزل تأثير قراءات الباحث المركزة حول المفاهيم، أو العلاقات، أو النظريات، أو المعارف السابقة عن الظاهرة المدروسة في مرحلة جمع وتحليل البيانات أو بمعنى أصح تأجيلها إلى ما بعد مرحلة الجمع والتحليل.

وعلى الرغم من هذا الرأي إلا إنه يبقى افتراض يميل إلى التنظير أكثر من الواقعية حيث أن الباحث يحمل معتقدا دافعاً له لاكتشاف علاقة أو نظرية وفق خبراته أو تصوراته المتراكمة حول هذه الظاهرة التي دفعته لاختيار هذه المشكلة، أو استهداف ذلك المجتمع دون غيره، أو استخدام أدوات جمع البيانات المختارة دون غيرها من الأدوات الأخرى.

وحتى يتضح القول فبافتراض أن هناك باحث مستشرق يهدف لدراسة مجتمع من المجتمعات العربية، واكتشاف ظاهرة من الظواهر في ذلك المجتمع، وحتى يصل إلى استنتاج علاقات تشكل النظرية فإنه نظرياً قد يمنع من الاطلاع على الأدبيات التي تتعلق بذات الظاهرة سواء في ذات المجتمع أو مجتمعات مماثلة حتى لا يتكون لدية صورة تفصيلية تحد من سعة ملاحظاته، أو توجيه وتركيز ملاحظاته على جزء من ذلك المجتمع، أو يتقمص النظر من خلال عدسة المنظار، بل تجعله يملك نظرة شموليه لجمع أكبر قدر من الملاحظات التي تؤدي إلى روابط أو علاقات تشكل المفاهيم و من ثم النظرية فيما بعد.

لكن في الحقيقة إن اطلاعه على خصائص المجتمع، وسياقه، والظروف الطبيعية التي قد يواجهها ليتعايش معه، ومعرفة شيء من الثقافة، أو اللغة … إلخ قبل جمع البيانات مما يشكل لديه افتراضات مبدئية، وواقع تصوري، ومعتقد حول ذلك المجتمع قد تتأكد من خلال مرحلة جمع وتحليل البيانات، أو تتغير هذ الافتراضات في مرحلة المعايشة، أثناء جمع وتحليل البيانات، واستكشاف الترابط بين الملاحظات أو المفاهيم وتكوين العلاقات بينها للتشكل النظرية.

إذن فالهدف الرئيسي من تأجيل مراجعة الأدبيات البحثية لما بعد جمع وتحليل البيانات هو جزء من تقليل التأثير على الباحث ليعتمد على قدرته في الجمع وتشكيل الصورة من الملاحظات، وتكرار حدوث الروابط بين تلك الملاحظات.

وبتأمل الفلسفات البحثية المتعددة الوضعية، أو ما بعد الوضعية، أو التفسيرية، أو التحويلية النقدية، وحتى البراجماتية فإني أجدها وإن اختلفت في النظرة للوجود والواقع والحقيقة والمعرفة ودور الباحث، والعلاقة مع الظاهرة المدروسة، وأدوات جمع البيانات إلا إنها تشترك في إنتاج المعرفة، ووضع هذه المعرفة في حقل المجال لتشكل مع المعارف السابقة جزء من قطع الأحجية لتكتمل الصورة النهائية لحل المشكلة وفق سياق إنتاج هذه المعرفة، وتأثره بذاتية الباحث، أو تقليل تأثيره الذي يصعب تحقيقه في الظواهر الاجتماعية.

ولكن الحل الأنسب هو الإفصاح عنه، وإيضاحه في إجراءات وسياق الدراسة، وأخذ المعرفة المنتجة في ظله تلك العوامل حتى عند إنتاج نظرية من النظرية المجذرة. فالتركيز على جمع وتحليل البيانات بطريقة منظمة واضحة استقرائية، ومقارنة بيانات المشاركين التي يدعم بعضها البعض، وإيراد الشواهد الواضحة من تلك الأدوات كفيل بتقليل تأثير تدخلات الباحث التي تغير هدف البحث، أو تأثر في تكوين علاقات غير ترابطية تتضح في مرحلة متأخرة حتى عند التسليم بعدم قراءة الباحث للأدبيات البحثية قبل مرحلة جمع وتحليل البيانات.

فإنتاج النظرية في النظرية المجذرة ليست عملية اعتباطية، بل عملية تراكمية ترابطية تؤدي إلى ظهور الرابط المفاهيمي بين البيانات الذي يشكل في نهاية المطاف النظرية.

وفي نهاية المطاف تبقى البحوث في العلوم الإنسانية حقل خصب لتعدد وجهات النظر. ولا يعني تعدد هذه الآراء مثلمة في البحوث الاجتماعية بقدر مرونتها، وقدرتها على التعايش مع الظواهر الإنسانية المتطورة والمتعددة إذا توفر وجود السند العلمي لذلك التعدد، والمبرر المنطقي أو الاجتهاد الفلسفي من خبراء البحث العلمي.

محمد الأحمدي

@alahmadim2010

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock