كتاب أكاديميا

عضو هيئة التدريس بين متطلبات التطوير وضمان العدالة الوظيفية | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان


هل يمكن الحديث عن تطوير التعليم العالي بمعزل عن العدالة الوظيفية؟
سؤال يفرض نفسه اليوم في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العمل الأكاديمي، حيث لم يعد التحدي في مبدأ التطوير بحد ذاته، بقدر ما أصبح مرتبطًا بكيفية إدارته، ومدى انعكاسه على الاستقرار المهني لعضو هيئة التدريس، بوصفه الركيزة الأساسية لأي مشروع إصلاحي تعليمي.
خلال السنوات الماضية، كان عضو هيئة التدريس في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب شريكًا فعليًا في تنفيذ سياسات التعليم العالي، لا سيما في مرحلة استيعاب الأعداد الكبيرة من خريجي الثانوية العامة قبل جائحة كورونا وبعدها. وقد تحمّل الأساتذة تضخم الشعب الدراسية، وارتفاع العبء التدريسي، وضغوط العمل الأكاديمي والإداري، استجابة لمتطلبات المرحلة، وإيمانًا منهم بدورهم الوطني والمهني في دعم استقرار المنظومة التعليمية.
وفي المقابل، لم تواكب هذه الجهود سياسات داعمة تحفظ التوازن بين الواجبات والحقوق؛ إذ شهدنا تقليصًا في ميزانيات المهمات العلمية، وتشديدًا متزايدًا في المتطلبات البحثية والإجرائية، دون توفير بيئة مؤسسية محفزة أو مستقرة، وهو ما وضع عضو هيئة التدريس في حالة دائمة من المسايرة والتكيف مع قرارات تتجه – في مجملها – نحو التضييق لا التطوير.
اليوم، تتجاوز الإشكالية حدود زيادة الأعباء، لتصل إلى المساس بجوهر الأمان الوظيفي، تحت توصيف إداري عام يُفهم منه أن بعض القرارات صادرة ضمن أطر تنظيمية عليا، بما يجعلها في ظاهرها غير قابلة للنقاش أو المراجعة. ومن أبرز هذه الإشكاليات تطبيق لائحة الترقيات الجديدة بأثر رجعي على أساتذة استوفوا متطلبات الترقية وفق اللوائح السابقة، إلى جانب توسّع صلاحيات اللجان المعنية بتطبيق لائحة الترقيات والتحقق من استيفاء متطلباتها، بما يجعل القرار النهائي في بعض الأحيان رهينًا بالتقدير، لا بالمعايير الواضحة والمعلنة في اللوائح.
وهنا يبرز السؤال المشروع:
هل تعكس هذه الممارسات جوهر التوجهات التنظيمية، أم أنها نتيجة خلل في آلية الصياغة والتطبيق؟
فمن غير المنطقي افتراض أن الغاية هي الإضرار بالعنصر الأكاديمي، كونه الركيزة الأساسية لأي مؤسسة تعليمية. غير أن النتائج المترتبة على هذه السياسات، بصيغتها الحالية، تؤدي عمليًا إلى إضعاف الولاء الوظيفي، وزرع القلق، وتقويض الثقة بين الأستاذ ومؤسسته.
إن منح اللجان صلاحيات واسعة دون ضوابط دقيقة، وتحويل المعايير المكتوبة إلى اجتهادات تفسيرية، يخلق حالة من عدم اليقين، ويجعل مستقبل الترقية الأكاديمية غير قابل للتنبؤ، حتى لمن التزم باللوائح واجتهد في تحقيق متطلباتها. وهذا لا يخدم جودة البحث العلمي، ولا يعزز التنافس الأكاديمي الشريف، بل يضع عضو هيئة التدريس في دائرة من القلق المهني المستمر.
ويُضاف إلى ذلك أن الواقع العملي يكشف أننا اليوم أمام نحو عامين من تطبيق لائحة الترقيات الجديدة، ومع ذلك لا تزال ملفات الترقية في حالة تعثّر واضحة، دون أن تُحسم بشكل يعكس استقرارًا إجرائيًا أو وضوحًا في المسار الأكاديمي للمتقدمين.
ومن المهم هنا التأكيد على أن هذا التعثّر لا يُقصد به تحميل أعضاء اللجان مسؤولية مباشرة، فالإشكالية في جوهرها تعود إلى النصوص الواردة في لائحة الترقيات نفسها، والتي جعلت المجال واسعًا أمام الاجتهاد في تفسير المعايير والحكم على ملفات المتقدمين، بدل أن تكون هذه المعايير محددة بدقة وملزمة في التطبيق. وعندما يصبح النص مرنًا إلى هذا الحد، فإن اختلاف التقدير يصبح نتيجة طبيعية، وتغدو قرارات الترقية متباينة، بما ينعكس سلبًا على شعور عضو هيئة التدريس بالوضوح والإنصاف.
فالولاء المؤسسي لا يُبنى عبر التضييق، بل عبر العدالة والوضوح والاستقرار التشريعي. وعضو هيئة التدريس لا يطالب بامتيازات استثنائية، بل بحقه المشروع في أن يُحاسَب وفق ما طُلب منه رسميًا، لا وفق متطلبات استُحدثت لاحقًا وطُبقت بأثر رجعي.
وانطلاقًا من مبدأ الشراكة في المسؤولية، فإننا نتطلع إلى دور معالي وزير التعليم العالي في إعادة النظر في ملفات الترقيات الأكاديمية وما يرتبط بها من لوائح وآليات تطبيق، بما في ذلك عمل اللجان المعنية بتطبيق لائحة الترقيات والتحقق من استيفاء متطلباتها، وبما يضمن وضوح المعايير، وعدالة الإجراءات، واتساق القرارات مع روح اللوائح وأهدافها.
كما نأمل فتح باب الاستماع إلى أهل الميدان من أعضاء هيئة التدريس، بوصفهم الطرف الأكثر تماسًا مع الواقع العملي لهذه اللوائح، والأقدر على رصد مواطن الخلل وتقديم مقترحات تطويرية متزنة، تسهم في تحقيق التوازن بين متطلبات الجودة الأكاديمية، وحفظ الحقوق، وتأمين بيئة عمل مستقرة وعادلة.
إن الحوار المؤسسي القائم على الشفافية والإنصاف لا يمثل تراجعًا عن الجودة، بل هو الضمان الحقيقي لاستدامتها، وتعزيز الولاء الوظيفي، وبناء الثقة بين عضو هيئة التدريس ومؤسسته، بما يخدم التعليم العالي ويعزز دوره الوطني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock