الآن دعونا نصنع المحرك: هندسة السيادة الرقمية في التعليم العربي [5] | بقلم: د. حمود العبدلي

السيادة لا تُمنح بل تُهندس، وورشة هندسة مستقبل التعليم مفتوحة الآن.
حاولت المقالات السابقة رفع الغطاء عن المحركات الرقمية التي تشكل عالمنا وتفكيك آلياتها الخفية رأينا فيها كيف أن السعي غير النقدي وراء الحداثة قد يقودنا إلى تبعية بنيوية، إن الهدف من فهم كيف تعمل محركات الآخرين هو اكتساب المعرفة اللازمة لبناء محرك أفضل، في هذا المقال سنحاول الانتقال من التفكيك إلى البناء؛ ننتقل من سؤال ما هي المشكلة؟ إلى سؤال ما هو الحل؟
إن السيادة التربوية في العصر الرقمي ليست حالة تُستعاد من الماضي، بل هي نظام بيئي يُهندس للمستقبل فهي لا تعني رفض التكنولوجيا العالمية كفعل انعزالي، بل تعني امتلاك الشجاعة والقدرة على إعادة تصميم شروط انخراط نظمنا التعليمية فيها؛ يجادل هذا المقال بأن مواجهة الاستعمار الرقمي لا تتم من خلال بناء الجدران التي تعزلنا، بل من خلال بناء الجسور والسقالات -أي البنى التحتية السيادية- التي تسمح لنا بالعبور إلى المستقبل بشروطنا الخاصة، إنها دعوة للانتقال من دور المستهلك السلبي للتعليم الرقمي الذي يصممه وادي السيليكون إلى دور الفاعل السيادي القادر على هندسة نظام بيئي تعليمي لا يعكس فقط أحدث التقنيات بل يجسد أعمق قيمنا وأهدافنا.
إن الخطوة الأولى في أي مشروع هندسي جاد هي تحديد مساحة التصميم بشكل صحيح، في النقاش العالمي حول السيادة الرقمية غالبًا ما يتم حصرنا في ثنائية زائفة: إما الاستسلام الكامل للمنصات العالمية المهيمنة (باسم الانفتاح والحداثة)، أو الانعزال الرقمي التام على غرار نموذج جدار الحماية العظيم (باسم السيطرة والأمن) كلا المسارين يؤدي إلى طريق مسدود؛ فالأول يكرس التبعية، والثاني يؤدي إلى الركود التكنولوجي.
لكن مسارًا ثالثًا يجب أن يُهندس لا يرفض التكنولوجيا بل يسعى إلى بناء طبقة سيادية فوقها؛ إنه مسار بناء البنية التحتية الرقمية العامة (Digital Public Infrastructure – DPI)، ربما يمثل النموذج الذي تبنته الهند من خلال حزمة (India Stack)، نموذجاً جدير بالدراسة والذي يقوم على فلسفة مفادها: بدلاً من أن تشتري الدولة الخدمات الرقمية كمنتجات نهائية من السوق، تقوم ببناء قضبان السكك الحديدية الرقمية الأساسية (مثل الهوية الرقمية، وأنظمة الدفع، وسجلات البيانات) كـ منفعة عامة مفتوحة.
يمتاز هذا النموذج هو أنه ليس ضد السوق بل هو ممكِّن للسوق المحلي فمن خلال توفير هذه البنية التحتية المفتوحة والموثوقة، تُنشئ الدولة منصة يمكن للشركات الناشئة المحلية والمبتكرين أن يبنوا فوقها خدمات وتطبيقات لا حصر لها، إنه يحول الدولة من مجرد عميل في السوق العالمي إلى مهندس لسوقها المحلي يطلق العنان للابتكار مع الحفاظ على السيطرة الاستراتيجية.
التي سنحاول هنا شرح المنظومة السيادية التي يمكن ان تتبنى او تكون محفزة على الأقل لمنظومة سيادية تتبناها الأنظمة العربية تتكون من مجموعة طبقات مفتوحة ومترابطة تعمل معًا كنظام بيئي معماري يقوم على مبدأ اللامركزية والتمكين، ويتكون من ثلاث طبقات تأسيسية.
الأساس الفلسفي
بدلاً من أن تكون هوية الطالب عبارة عن حساب تملكه وتسيطر عليه المنصة أو الدولة، فإن نموذج الهوية السيادية الذاتية (Self-Sovereign Identity – SSI) يعيد السيطرة إلى الفرد، يصبح لدى كل متعلم محفظة رقمية(digital wallet) خاصة به تحتوي على أوراق اعتماده التعليمية الموثقة (مثل الشهادات الجامعية، شارات المهارات، أو حتى شهادات الحضور) هو يمتلكها وهو يسيطر عليها ويقرر بشكل انتقائي مع من يشاركها هذه ليست مجرد ترقية تقنية بل هي قطيعة فلسفية جذرية مع نماذج المراقبة، إنها الخطوة الأولى نحو بناء نظام يثق في المتعلم ويعامله كـ مواطن رقمي سيادي وليس كـ مستخدم يتم إدارته.
هذا ليس مجرد مفهوم نظري بل هو واقع بدأت تتبناه تكتلات ودول كبرى؛فمبادرة Gaia-X الأوروبية تضع الهوية السيادية الذاتية في قلب بنيتها التحتية للبيانات، بهدف خلق بديل سيادي للنماذج السحابية الأمريكية،وفي كندا تستكشف مقاطعات مثل كولومبيا البريطانية استخدام محافظ الهوية الرقمية لتمكين المواطنين من الوصول إلى الخدمات الحكومية مع الحفاظ على سيطرتهم على بياناتهم، هذه الأمثلة تبين أن بناء أنظمة هوية تتمحور حول الفرد ليس فقط ممكنًا تقنيًا، بل هو ضرورة استراتيجية للدول التي تسعى للحفاظ على سيادتها الرقمية في مواجهة هيمنة المنصات.
الأساس التقني
وفقاً لهذه الفلسفة يتم بناء طبقات البيانات والمحتوى على أساس المعايير المفتوحة وواجهات برمجة التطبيقات المفتوحة (Open APIs) هذا يعني أن الأنظمة المختلفة (نظام معلومات الطالب، منصة التعلم، مستودع المحتوى…الخ) يمكنها التحدث مع بعضها البعض بسلاسة وهذا يكسر آلية الارتهان بالبائع بشكل مباشر، فلم يعد النظام التعليمي مرتهنًا لـ نظام بيئي مغلق لشركة واحدة؛ يمكن للمدرسة أن تختار أفضل نظام إدارة تعلم، وأفضل أداة تقييم، وأفضل مستودع محتوى، وتكون واثقة من أنها ستعمل معًا، إنها تحول السوق من إقطاعيات مغلقة إلى شبكة مفتوحة.
الابتكار المفتوح
عندما تكون الهوية لامركزية والبيانات مفتوحة فإن هذا يطلق العنان للطبقة الأخيرة والأكثر إثارة: الابتكار المفتوح فبدلاً من أن يكون الابتكار حكرًا على الشركات العالمية الكبرى، يمكن الآن لأي شركة ناشئة محلية، أو أي مطور فردي، أو حتى مجموعة من المعلمين، بناء تطبيق أو خدمة جديدة تتصل بالبنية التحتية العامة مثل بناء أداة متخصصة لتعليم الرياضيات، أو منصة للتوجيه المهني، أو تطبيق للتعلم التعاوني، وكلها تتكامل بسلاسة مع هوية الطالب وسجلاته (بعد موافقته)؛ إن هذا لا يقضي على القطاع الخاص بل يحفزه ويوجهه ويخلق سوقًا مزدهرة للابتكار المحلي الذي يستجيب للاحتياجات السياقية الحقيقية.
إن المخطط الهندسي الذي قدمناه -القائم على الهوية السيادية، والبيانات المفتوحة، والابتكار المفتوح- ليس مجرد حل تقني، بل هو إعلان بيداغوجي يمثل رفضًا للتعليم كـ سلعة تُستهلك، وتبنيًا له كـ مشاع يُبنى بشكل جماعي؛فصناعة المحرك ليست حدثًا لمرة واحدة بل هي عملية هندسية مستمرة وثقافة يجب أن تتجذر في صميم أنظمتنا التعليمية، وهي تتطلب أكثر من مجرد قرارات تقنية؛ إنها تتطلب إرادة سياسية لتحدي الوضع الراهن، واستثمارًا استراتيجيًا في بناء أثمن بنية تحتية على الإطلاق: القدرات البشرية لمعلمينا، ومطورينا، ومصممينا.
إن بناء السيادة التربوية الرقمية لا يعني بناء كل شيء بأنفسنا في عزلة، بل يعني بناء الطبقات الأساسية التي تمنحنا السيطرة على مصيرنا التربوي، وتمكننا من وضع قواعدنا الخاصة لكيفية عمل التكنولوجيا في فصولنا الدراسية، إنه يعني امتلاك القدرة على الاختيار الواعي، بدلاً من الإذعان القسري.
وهذا يعيدنا إلى السؤال الحاسم، فبدلاً من أن نسأل أنفسنا كيف يمكن لتعليمنا أن يلحق بالثورة الرقمية؟ يجب أن نبدأ في طرح سؤال أكثر قوة وسيادة:
هل سنظل ننتظر الموجة التكنولوجية التالية التي ستغمر فصولنا الدراسية، أم سنبدأ اليوم في بناء السفن المعرفية والهندسية التي تسمح لأجيالنا القادمة بالإبحار في هذا المحيط الرقمي بشروطها الخاصة؟



