دعونا نرفع الغطاء عن المحرك لنرى كيف يعمل: التعليم في خطر [4] | بقلم: د. حمود العبدلي

يوماً ما ستصحو البشرية على عبادة الشيطان الاكبر في وادي السليكون
في عام 1983 هز تقرير بعنوان أمة في خطر الولايات المتحدة مُطلقًا صرخة تحذير من أن التدهور الداخلي في نظامها التعليمي يهدد مستقبلها في مواجهة منافسيها، اليوم بعد أربعة عقود حان الوقت ليطلق العالم صرخة جديدة ولكن هذه المرة في وجه أمريكا نفسها ومحركها الأيديولوجي وادي السيليكون؛ فالخطر الأكبر الذي يواجه التعليم العالمي لم يعد التخلف عن النموذج الأمريكي بل اللحاق به؛ لقد أصبح النموذج التكنولوجي التعليمي الذي يتم تصديره عالميًا -بمنصاته السحابية، وتحليلاته الخوارزمية، ووعوده بالكفاءة- هو الخطر المنهجي نفسه وهو شكل جديد من أشكال الاستعمار الناعم الذي يعمل بصمت على تفكيك السيادة التربوية للأمم دولة تلو الأخرى.
إن ما نواجهه ليس مجرد مجموعة من الأدوات المحايدة التي يمكننا اختيار استخدامها بشكل جيد أو سيء، بل نحن نواجه محركًا متكاملاً له نظامه التشغيلي الأيديولوجي الخاص ومصمم لتحقيق أهداف محددة للغاية لا علاقة لها بالضرورة بتحرير الإنسان من عبودية الجوع او الخوفأو التنمية المستدامة او أي سياق براق يتم تسويقه، إن رفع الغطاء عن هذا المحرك لم يعد ترفًا فكريًا بل أصبح ضرورة استراتيجية ملحة.
يجادل هذا المقال بأن التعليم في خطر ليس لأنه يفشل في التكيف مع التكنولوجيا، بل لأنه يتكيف معها بسرعة كبيرة بشكل غير نقدي مستوردًا معها حمضها النووي الأيديولوجي الذي يهدد بتحويل أنظمة التعليم بما فيها العربية إلى مجرد مستعمرات رقمية في إمبراطورية عالمية جديدة للمعرفة والبيانات.
لفهم لماذا ينتج هذا المحرك تبعية بنيوية يجب أولاً تفكيك نظام تشغيله الفكري، إن الحمض النووي الأيديولوجي لوادي السيليكون ليس محايدًا بل هو مزيج فريد وغير مستقر من تيارين فكريين شكلا تاريخ الساحل الغربي الأمريكي؛ التيار الأول هو الأيديولوجية الكاليفورنية: ذلك المزيج الغريب بين روح التمرد الفردية المضادة للمؤسسات التي ورثها من ثقافة الهيبيز في الستينيات، مع إيمان شبه ديني بالسوق الحرة المطلقة،والحلول الفردية الذي ورثه من الليبرتارية الجديدة، هذه الأيديولوجيا ترى أن أي مشكلة يمكن حلها من خلال تمكين الفرد المبدع وتحريره من قيود الدولة البيروقراطية والمجتمع التقليدي.
يتم تفعيل هذه الرؤية من خلال التيار الثاني وهو الحلولية التكنولوجية:أي الاعتقاد بأن جميع المشاكل الإنسانية المعقدة -الفقر، الجهل، المرض، وحتى الموت- هي في جوهرها مشاكل هندسية يمكن حلها من خلال المزيد من البيانات والخوارزميات الأكثر ذكاءً، عندما يتقاطع هذان التياران فإنهما ينتجان رؤية قوية للعالم: يجب تفكيك المؤسسات العامة القديمة وغير الفعالة (مثل المدارس والجامعات الحكومية) واستبدالها بمنصات تكنولوجية فعالة ومخصصة تمكّن الأفراد من تصميم مساراتهم الخاصة؛ إن التعليم من هذا المنظور ليس منفعة عامة يجب أن توفرها الدولة، بل خدمة يجب أن يستهلكها الفرد في سوق مفتوحة، وهذا هو بالضبط المشروع الذي يتم تصديره عالميًا تحت ستار التحديث والابتكار.
إن هذا المشروع الأيديولوجي الذي يرى التعليم كسوق للخدمات الفردية لا يترجم نفسه إلى العالم عبر الإقناع فحسب، بل من خلال بناء بنية تحتية عالمية تفرض هذا الواقع فرضًا؛ إن ما نسميه الاستعمار الرقمي في التعليم ليس مجرد استعارة بل هو نظام هيكلي متكامل من الهيمنة يعمل عبر ثلاث طبقات متداخلة ومترابطة: طبقة اقتصادية تسيطر على الأدوات، وطبقة جيوسياسية تسيطر على البيانات، وطبقة معرفية تسيطر على العقل.
الطبقة الأولى: الاستعمار الاقتصادي – هندسة الإقطاعيات الرقمية
في المستوى الأكثر سطحية تعمل المنصات التعليمية كأدوات للهيمنة الاقتصادية، إن نموذج عمل رأسمالية المنصات لا يهدف إلى المنافسة في سوق مفتوحة بل إلى امتلاك السوق نفسه، يتم تحقيق ذلك من خلال استراتيجية الارتهان بالبائع (Vendor Lock-in)، وهي ليست نتيجة مؤسفة، بل هي الهدف الهندسي الأساسي، فعندما يتبنى نظام تعليمي وطني منصة متكاملة، فإنه لا يشتري مجرد برامج، بل يهاجر إلى إقطاعية رقمية مغلقة؛ تصبح البيانات، والمهارات، والعمليات الإدارية، وحتى العلاقات الاجتماعية مرتهنة بالبنية المعمارية لهذه الإقطاعية، ومع مرور الوقت تصبح تكاليف الخروج باهظة بشكل لا يمكن تصوره ليس فقط ماليًا، بل مؤسسيًا وبشريًا؛ هذا الارتهان يخنق الابتكار المحلي بشكل منهجي ويحول الشركات الناشئة الوطنية من منافسين محتملين إلى مجرد متقدمين بطلبات للحصول على إذن بالعمل داخل حدود الإقطاعية، ويضمن أن تتدفق القيمة الاقتصادية بشكل مستمر من الأطراف إلى المركز.
الطبقة الثانية: الاستعمار الجيوسياسي – تسليح البيانات كوقود
تحت هذه الطبقة الاقتصادية تكمن طبقة أعمق وأكثر خطورة، إن استعمار البيانات أي الاستيلاء على بيانات التجارب الإنسانية كمادة خام لم يعد مجرد مشروع تجاري، بل أصبح مشروعًا جيوسياسيًا؛ في عصر أصبح فيه سباق التفوق في الذكاء الاصطناعي هو ساحة التنافس بين القوى العظمى أصبحت البيانات التعليمية لأطفالنا هي المورد الاستراتيجي الأكثر قيمة -إنها النفط الجديد الذي يغذي محركات الذكاء الاصطناعي- إن الدولة التي تتخلى عن سيادتها على هذا المورد وتسمح باستخراجه من قبل منصات أجنبية لا تتخلى فقط عن ثروة اقتصادية، بل تتخلى بشكل فعال عن قدرتها على المشاركة في تشكيل مستقبلها التكنولوجي، والأخطر من ذلك أنها تخلق اعتمادية مسلحة(Weaponized Interdependence)، حيث أن تركيز هذه البنية التحتية الحيوية في أيدي قوى خارجية يخلق نقطة اختناق استراتيجية يمكن استخدامها كأداة للإكراه، مما يحول قطاع التعليم من مصدر للقوة الوطنية إلى ثغرة خطيرة للغاية في الأمن القومي.
الطبقة الثالثة: الاستعمار المعرفي – إعادة برمجة نظام التشغيل الثقافي
هذه هي الطبقة الأعمق والأكثر ديمومة وسوءً، فالهيمنة الحقيقية لا تكتمل بالسيطرة على الأدوات والبيانات فحسب، بل بالسيطرة على العقل؛ تعمل المنصات التعليمية العالمية كأحصنة طروادة لفرض نظام تشغيل ثقافي ومعرفي موحد، يتم هذا من خلال آليتين: أولاً الاستشراق الخوارزمي حيث أن الخوارزميات المدربة على بيانات وقيم غربية في الغالب تهمش بشكل منهجي المعارف، واللغات، والروايات، وطرق التفكير غير الغربية، وتقدم رؤية مركزية غربية للعالم كـ رؤية موضوعية؛ ثانيًا توحيد البيداغوجيا حيث أن بنية المنصات المُحسَّنة لتحقيق الكفاءة والقياس تفضل بشكل طبيعي نموذج التعليم البنكي الكلاسيكي الذي يركز على نقل المحتوى على حساب البيداغوجيات النقدية والحوارية والسياقية، إن التأثير النهائي لهذا الاستعمار المعرفي هو إعادة برمجة الأجيال القادمة لترى العالم من خلال عدسات وادي السيليكون، وتعريف النجاح والمعرفة القيمة وفقًا لشروطه؛ إنه استعمار لا يهدف إلى السيطرة على الأرض بل على طريقة رؤية الأرض.
إن هذا النظام الاستعماري المتكامل لا يبقى في عالم البنى التحتية والسياسات المجردة، بل يتسلل إلى الفصول الدراسية ليعيد تشكيل هوية الفاعلين الرئيسيين في العملية التربوية بشكل جذري؛ إنه لا يغير فقط الأدوات التي نستخدمها، بل يغير من نكون كمُعلمين ومُتعلمين، إن التعليم في جوهره يتحول إلى مستعمرة رقمية يتم فيها إعادة إنتاج علاقات القوة الاستعمارية على المستوى الإنساني المباشر.
يحدث هذا أولاً من خلال عملية إفقار مهارات المعلم (Teacher De-skilling)، ففي النموذج الصناعي كان المعلم حِرفيًا يمتلك حُكمًا مهنيًا وخبرة سياقية، أما في ظل هيمنة المنصة الموحدة فإنه يتحول تدريجيًا إلى عامل في خط تجميع، يتم تقويض مهاراته المعقدة -مثل تصميم المناهج، والتكيف مع احتياجات الطلاب غير المتوقعة، وإدارة حوار نقدي ..الخ- واستبدالها بمهارات فنية أبسط تركز على تشغيل المنصة وإدارة لوحات التحكم التي تقدمها، إنه لم يعد مصدر البيداغوجيا، بل منفذ للبروتوكولات الخوارزمية التي توصي بها الآلة، هذه العملية لا تقلل فقط من قيمة المعلم، بل تقوض أيضًا إمكانية ظهور أي ابتكار بيداغوجي أصيل ينبع من الميدان.
وفي الوقت نفسه يتم تنفيذ عملية موازية لـ إعادة برمجة المتعلم فبدلاً من أن يكون الهدف هو تنشئة مواطن نقدي يسعى لفهم العالم وتغييره، فإن بنية المنصات تشكل هوية جديدة للمتعلم يتم تدريبه على أن يكون مستخدمًا (User) سلبيًا يهدف إلى استهلاك المحتوى بكفاءة؛ ومنافسًا (Competitor) فرديًا يسعى لتحسين ترتيبه على لوحات الصدارة؛ والأهم من ذلك، منتج بيانات (Data Producer) يتم تحسينه باستمرار من خلال التنبيهات والدفعات الخوارزمية لإنتاج فائض سلوكي أكثر قيمة؛ إنه تعليم لا يهدف إلى تحرير العقل، بل إلى تحسين ملف البيانات والنتيجة هي إنتاج جيل من الأفراد الماهرين تقنيًا، لكنهم ربمايكونون فاقدين للقدرة على التفكير النقدي في البنى التي تشكل حياتهم.
إن رفع الغطاء عن محرك الاستعمار الرقمي لا يهدف إلى بث اليأس، بل إلى إطلاق شرارة المقاومة، إن الاعتراف بأن التعليم العالمي في خطر ليس نهاية القصة، بل هو بدايتها، فالمسار الحالي ليس قدرًا تكنولوجيًا حتميًا، بل هو خيار سياسي واقتصادي يمكن ويجب تحديه، إن مواجهة هذا النظام الاستعماري لا تتطلب مجرد إصلاحات طفيفة، بل تتطلب نهجاً فكريًا وهندسيًا وإعلان استقلال تربوي في العصر الرقمي.
يجب أن يبدأ هذا النهج بـ العصيان المعرفي يرفض قبول أطر وقيم وادي السيليكون كـ حتمية، وأن نتوقف عن قياس نجاحنا بمقاييسهم، ونبدأ في بناء لغتنا وأطرنا الخاصة التي تنبع من ثقافاتنا وقيمنا، وأن نعيد تعريف التعليم الجيد ليس كفاءة اقتصادية، بل ممارسة للحرية والعدالة والتنمية الإنسانية الشاملة؛ إن السيادة الحقيقية تبدأ بالسيادة على العقل.
لكن العصيان المعرفي وحده لا يكفي يجب أن يكون مصحوبًا بـ هندسة السيادة، يجب علينا أن نرفض الثنائية الزائفة بين الاستسلام للمنصات العالمية أو الانعزال الرقمي، وأن نبدأ في بناء مسار ثالث خاص بنا، وهذا يعني الاستثمار بجدية في نماذج بديلة مثل البنية التحتية الرقمية العامة(DPI) التي تضع السيطرة على الطبقات الأساسية (مثل الهوية والبيانات) في أيدي المجتمع، وتعاونيات المنصات (Platform Cooperativism) التي تتبنى نماذج ملكية ديمقراطية، إن بناء هذه البدائل ليس مجرد مشروع تقني، بل هو مشروع سياسي يهدف إلى استعادة المشاع الرقمي، إن ما هو على المحك ليس مجرد مستقبل التعليم، بل هو مستقبل سيادتنا ككل.
والسؤال الذي يواجهنا اليوم ليس كيف يمكننا اللحاق بالثورة الرقمية؟ بل كيف يمكننا قيادة ثورتنا الرقمية الخاصة؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب شجاعة فكرية، وإرادة سياسية، وعملاً هندسيًا جريئًا، لقد حان الوقت للتوقف عن كوننا مجرد مستخدمين في عالم صممه الآخرون والبدء في أن نكون مهندسي عالمنا الخاص.



