الجامعات الخاصة

الشيخ مبارك الصباح… حنكة القائد الذي صان سيادة الكويت

لقد كانت فترة حكم الشيخ مبارك الصباح من أكثر المراحل حسمًا في تاريخ الكويت، إذ واجهت البلاد خلالها أطماع الدولة العثمانية من جهة، ومشاريع التمدد الروسي والألماني من جهة أخرى، إلى جانب النفوذ البريطاني المتنامي في الخليج. وبرغم هذه التحديات المتشابكة، استطاع الشيخ مبارك أن يرسم سياسة متوازنة جعلت الكويت تحافظ على استقلالها وتخرج من دائرة الصراع الدولي أكثر قوة ومكانة.

لقد كانت العلاقة مع الدولة العثمانية شائكة ومعقدة، فمنذ تسلمه الحكم، حاول العثمانيون ضم الكويت إلى ولاياتهم وفرض سيطرة مباشرة عليها، إلا أن مبارك أدار العلاقة بذكاء وحنكة، فقد أبقى الارتباط بالعثمانيين في إطار رمزي محدود، قاصر على الرابطة الدينية، دون أن يسمح لهم بمد نفوذهم الإداري أو العسكري، فلم يكن للعثمانيين موظفون يجمعون الضرائب في الكويت، ولم يطبقوا قوانينهم فيها، ولم يمدّوا يد العون العسكري لها في أي صراع. وفي الوقت نفسه، حافظ الشيخ مبارك على ودّ نسبي، متجنبًا التصعيد ما لم يمس الأمر سيادة بلاده.

ومع توقيع اتفاقية الحماية مع بريطانيا عام 1899م، أصبح موقف مبارك أكثر قوة وصلابة، فحين أرسلت الدولة العثمانية الباخرة “زحاف” عام 1901م في محاولة للضغط عليه، تصدت لها البحرية البريطانية وأعادتها إلى البصرة، ليدرك العثمانيون أن الكويت لم تعد سهلة المنال، كما رفض الشيخ مبارك طلب إرسال موظف عثماني للإشراف على جمارك الكويت، ورفع اعتراضًا رسميًا إلى المقيم البريطاني، ورغم ذلك، حرص مبارك على امتصاص الغضب العثماني بطرق ذكية، فكان يتبرع لهم بالمال عند الكوارث الكبرى مثل حريق الآستانة، ويسهم في تمويل مشاريع دينية كخط حديد الحجاز، ويتعاطف مع الجنود العثمانيين الفارين من القصيم. لقد كان يدرك أن العلاقة لا بد أن تُدار بحذر: رفض للسيطرة، لكن دون قطع للروابط الدينية والسياسية.

أما روسيا، فقد كانت تسعى منذ زمن للسيطرة على “المياه الدافئة” عبر الخليج العربي، بعد أن ضاقت بها البحار المتجمدة في الشمال. وفي عهد الشيخ مبارك نشطت تحركاتها، فأرسلت بعثات تجارية وعلمية عام لجس النبض، وعرضت مشاريع متعددة مثل امتيازات السكك الحديدية ومحطات الفحم ومراكز تجارية. وفي عام 1901م، ورغم أن مبارك كان قد وقّع اتفاقية الحماية مع بريطانيا قبل عامين، إلا أنه لم يتردد في التفاوض مع الروس، باعتبارهم دولة عظمى ينبغي التعامل معها بحذر حتى يكسب ودها، وليجعل من هذا التفاوض ورقة ضغط وخط رجعة إذا قصّرت بريطانيا في وعودها،فقد كانت الاتفاقية البريطانية لا تنص صراحةً على حماية الكويت، وإنما جاء الضمان بشكل شفهي خلال المحادثات، ولهذا، أبدى مبارك في اتصالاته مع الروس استعدادًا للنظر في رفع علمهم على الكويت إذا اقتضى الأمر، لكن هدفه الحقيقي كان تأكيد استقلاله السياسي وموازنة القوى الكبرى. وقد سرّب خبر التفاوض بنفسه ليؤكد للبريطانيين أنه ليس بلا بدائل، فدفعهم ذلك إلى الإسراع في تثبيت التزاماتهم تجاهه.

أما العلاقة مع بريطانيا فقد كانت هي الأكثر تأثيرًا في مسار الأحداث،فبريطانيا رأت أن الخليج ممر استراتيجي لا بد أن يبقى مفتوحًا إلى الهند، وكانت قلقة من محاولات الألمان مدّ نفوذهم عبر مشروع سكة برلين – بغداد،التي رفض مشروعها الشيخ مبارك أيضاً، وكذلك من احتمال هجوم عثماني على الكويت يضر بمصالحها، ولهذا سارعت إلى عقد اتفاقية 1899م التي وإن أبقتها سرية، فقد شكلت نقلة نوعية للكويت، صحيح أن الاتفاقية لم تنص رسميًا على دعم مالي أو عسكري، لكن بريطانيا قدمت عمليًا ضمانة قوية ضد أي عدوان، وعيّنت وكيلًا سياسيًا لها في الكويت هو الكابتن نوكس، وأبرمت لاحقًا عدة اتفاقيات عززت وجودها.

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتشكل منعطفًا حاسمًا، فمع اندلاعها عام 1914م، أعلن الشيخ مبارك وقوفه إلى جانب بريطانيا ضد ألمانيا وحليفتها الدولة العثمانية، وقد ساهم ذلك في تعزيز اعتراف بريطانيا بالكويت كمشيخة مستقلة تحت الحماية، لينتهي بذلك أي مظهر للسيادة العثمانية، وتخرج الكويت من دائرة الضغوط التي كبّلتها لعقود.

لقد كانت سياسة الشيخ مبارك قائمة على وعي عميق بموازين القوى، وإدراك أن الكويت لا يمكن أن تعيش بمعزل عن محيطها الدولي، لكنها أيضًا لا يمكن أن ترهن استقلالها لأي قوة، فوازن بين الضغوط العثمانية، والمطامع الروسية، والتحالف البريطاني، وحافظ في النهاية على هوية بلاده وسيادتها. وكان أحيانًا يساير خصومه ويدعمهم ماديًا، وأحيانًا يناور بورقة حماية جديدة، لكنه ظل ثابتًا على هدف واحد: أن تبقى الكويت مستقلة، وأن يظل القرار بيد أهلها.

وهكذا، خرجت الكويت من عهد الشيخ مبارك وقد ثبتت مكانتها ككيان سياسي قائم بذاته، مستقل في قراره، وإن ارتبط شكليًا ببعض الاتفاقيات،لقد نجح مبارك في تحويل التهديدات الكبرى إلى فرص، ووضع أسسًا صلبة لاستقلال الكويت، حتى صار اسمه رمزًا للحنكة السياسية ودرسًا خالدًا في كيفية الدفاع عن السيادة وسط صراع الإمبراطوريات.

إعداد الطالبة: فتون العجمي

إشراف: د. مبارك جازع

                       كلية الكويت للعلوم والتكنولوجيا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock