كتاب أكاديميا

النسيم والعبير في الأثر الأثير من ضفاف الوادي الكبير ..بقلم: د.خالد الصيفي

على ضفافه غفت حواضر الدنيا واستراحت وخفت نورها وغلقت أبوابها ، بعد أن أرهقها السطوع وأتعبها الصعود، فنالت منها السنون وقضت عليها حوادث الدهر وريب المنون، ومنه تسلل قراصنة النورمان وانطلق كولمبوس السلب الأمريكتيين، بينما على جانبيه تطفو اليتيمتين قرطبة واشبيلية تستذكران ساكنيها الغابرين وتملأ دموعهما نهر الوادي الكبير وتسيح في ماءه كما ساح إرث وأثر المسلمين في الجزيرة الإيبيرية.

قبائل وشعوب، أجيال وأمم ، فرادى وزمر، أعلام ومغمورين عوام وعلماء، فاتحين وخائنين هاجروا واستقروا وولدوا وعاشوا ودفنوا بهذا الصقع الغربي، فمنهم من تخلدت سيرته بالمجد والجد، والعز والفخر، ومنهم من ألصق العار بذكره وسارت الركبان بذله.

دول وممالك، رايات وشعارات، مساجد وقصور، قلاع وجسور، حصون وثغور، حدائق وعيون، بقايا وأطلال وشواهد ودلائل على حضارة سادت ثم بادت، ولم يبقى منها إلا الأثر الأثير، وهذا بيت القصيد والمراد من هذا المقال الذي وافق هذا المقام بأسبانيا بصحبة لا يماثلها مثيل في الشهامة ونبل الأخلاق والظرف والكرم.

ولأن فوائد السفر عديدة، أدناها الترويح عن النفس وصحبة الأماجد وسبر المعادن، وأعلاها استخلاص الفكر والعبر واستقراء الحاضر واستشراف المستقبل، والإيمان بأن قيمة الإنسان فيما سيتركه من أثر، وما ينجزه من علم وعمل فكم مررنا بنصب وشواهد على أعلام فارقوا الدنيا منذ قرون، وذكرهم خالد وأسمائهم باقية ما بقيت كتب التاريخ والتراجم، والناس فيهم بين مترحم ولا عن ومعجب وساخط، فما أحوجنا أياً كان موقعنا وتأثيرنا أن ننجز ما ينفع الناس في زماننا، فإن لم يثمر عملنا في وقته، فسيأتي بعدنا من يقطف ثماره فيدعوا لنا ، كما دعى اللاحقون للسابقين، فالناس ذاهبون وسيرتهم باقية، فليكتب كل امرئ سيرته بعمله، فإن أحسن فهذا ما نبغي وإن أساء فالتاريخ لا يرحم.

الأحد 21 يناير 2024

اسبانيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock