قسم السلايدشوأخبار منوعة

عيادات مشبوهة تدَّعي علاج التوحُّد

محليات

يبدو أن الخدمات العلاجية تحولت إلى بوابة للكسب والثراء السريعين من قبل بعض معدومي الضمير، فبعد أن كشفت القبس بعددها الصادر في 8 يناير الجاري عن عمليات تجميل بمشارط أطباء مزيفين وعيادات غير متخصصة تعمل في مناطق سكنية، تكشفت مفاجآت جديدة وصادمة في آن، أبطالها هذه المرة أطباء غير متخصصين يدعون قدرتهم على علاج المصابين بالتوحد، ويوهمون أولياء الأمور بأن لديهم الحلول السحرية لحالات أبنائهم وتكون النتيجة جني المزيد من الأموال منهم، فالمضطر يدفع كل غال من أجل علاج فلذة كبده، لكن الخطير في الأمر تدهور الحالات بدل علاجها، بل الإصابة بأمراض أخرى أخطر من التوحد بسبب تقديم علاجات خاطئة وغير معتمدة من قبل وزارة الصحة.

رغم تحذيرات المختصين والمراكز العالمية من التجاوب مع مدعي علاج حالات التوحد بطرق وتركيبات غريبة، كشف تحقيق القبس عن وجود عيادات في الكويت تدعي قدرتها على علاج المرض، وقد تسببت ممارساتها في آثار جانبية خطيرة على صحة بعض الأطفال، والغريب في الأمر أن تلك المنشآت تعمل بلا تراخيص طبية، وبعضها يعمل تحت غطاء تراخيص تجارية بمسميات خدمات الاستشارات النفسية والتأهيل وتحسين النطق.

ولم تراع الطواقم العاملة في هذه العيادات شرف المهنة وقسم الطب، بل بحثوا عن جمع المال بغض النظر عن النتائج السلبية التي ربما تنتج عن استخدامهم لطرق ومواد مشبوهة على مجموعة من أطفال التوحد من دون سند علمي كافٍ يعزز من قوة العلاج ونتائجه، فكانت البداية بطاقم عمل غير مختص يقوم على استقبال حالات التوحد وتقديم العلاج لهم باستخدام طرق وأساليب غير معتمدة في الكويت أو حتى خارجها، حيث قدموا علاجا بـ«الأكسجين المضغوط» وعرضوا الأجساد الضعيفة لأكثر من 40 جلسة اضافة إلى مواد وأدوية أخرى لقاء مبالغ مالية، مستغلين القشة التي يتعلق يها أولياء الأمور لإنقاذ أبنائهم وتقديم العون لحالتهم الصحية والنفسية.
ضحايا الخداع

اعتمدت تلك العيادات على استقطاب ضحاياها من أولياء الأمور، واستهدفت الأمهات بصفة خاصة، مستغلين ظروفهن ورغبتهن في أن تشهد حالات ابنائهن التوحديين تحسنا سريعا، فيبدأ التشخيص بأن الحالة تحتاج إلى تحاليل معينة لقياس نسب بعض العناصر في الدم وترسل إلى مختبرات في فرنسا، ومن ثم يتم البدء في جلسات مكثفة تحت «الأكسجين المضغوط» بحد أدنى 40 جلسة تكلف الجلسة الواحدة 40 دينارا.

وبلغة الطب يتحاور الطاقم العامل في تلك العيادات ويتحدث مع الأمهات حول الحالة بصيغة «الحفظ» أكثر من الفهم، فينقل عقول أولياء الأمور من التأثر النفسي على الحالة إلى آمال وأحلام بتحسن كبير سيشهده الطفل بعد جلسات العلاج والالتزام بالأدوية التي ستمنح لهم وغالبيتها أملاح وفيتامينات ومواد غذائية متوافرة في أي سوق تجاري لبيع المواد الغذائية، حيث يشترط لبدء الكورس العلاجي دفع كامل المبلغ المالي والذي يقدر بـ 1600 دينار.

عمال مقاولات

إلى ذلك، علمت مصادر أن اللجنة الثلاثية التي ترأسها الهيئة العامة للقوى العاملة أغلقت خلال الأيام الماضية مجموعة من العيادات، التي تقدم خدمات طبية بلا تراخيص، إحداها تعمل في علاج أطفال التوحد بمنطقة السالمية.

وقالت مصادر مسؤولة انه جرى ضبط مقيمين من جنسية عربية يحملون اقامة المادة 18 على شركة مقاولات ويقومون بتشخيص حالات الأطفال.

وذكرت المصادر أن إدارة التراخيص التابعة لوزارة الصحة أغلقت عيادات أخرى كانت تقدم العلاج بالأكسجين المضغوط لحالات التوحد، كما كشفت التحقيقات في هذه الوقائع عن مغادرة طاقم طبي أردني غير متخصص كان يعمل في البلاد قبل شهر ويستقبل الحالات.

صدمة طبية
بعد التدقيق في ملفات العيادات، التي تعلن عن استخدام مثل هذه العلاجات لأمراض التوحد، كشف استقصاء القبس ان واحدة من تلك العيادات يديرها طبيب أردني، ويعمل في البلاد منذ أكثر من 5 سنوات، وكانت عيادته قد أغلقت في العاصمة الأردنية عمّان في مارس 2015 بسبب مخالفات وممارسات خطأ مع حالات التوحد، وبعدها جاء إلى الكويت وافتتح عيادة لعلاج التوحديين واستقطب حالات كثيرة.

وكشف كتاب الإغلاق،والصادر عن وزير الصحة الأردني في مارس 2015، انه نظراً لعدم أخذ التراخيص اللازمة لتقديم العلاج باستخدام الأكسجين المضغوط واستخدامه من غير مختصين مع حالات التوحد، وعدم وجود اشراف طبي ووجود ممرضين غير حاصلين على التراخيص اللازمة، فقد تقرر إغلاق العيادة.

وتبين أن ما تمارسه هذه العيادة وعيادات أخرى تدعي تقديم علاج لأطفال التوحد يتم من غير تراخيص طبية من وزارة الصحة، بل تكون تحت غطاء عيادة طبية أخرى أو ترخيص تجاري.

تحذير أميركي

أشارت دراسة صادرة عن مكتبة الدواء الوطنية الأميركية، إلى أن الأدلة العلمية على استخدام «الاكسجين المضغوط» غير متوافرة، والدراسات التي تتحدث عنه إما سلسلة حالات أو تجارب مفتوحة التسمية أجريت على عينة صغيرة، وتحليل بيانات محدود في غياب مجموعة المقارنة. وأوصت الدراسة بالحذر من استخدام هذا النوع من العلاج، محذرة أولياء الأمور من الادعاءات الكاذبة أو المضللة حول العلاج بالأكسجين عالي الضغط لعلاج التوحد.

روايات الضحايا

أكد أولياء أمور أنهم وقعوا ضحية «بائعي الوهم»، وبعد أن قرأوا إعلانات عبر وسائل التواصل عن قدرة هذه العيادات على علاج الأطفال التوحديين، ذهبوا إليها ودفعوا مبالغ كبيرة، وتعرض أبناؤهم لجلسات علاجية على أيدي أشخاص تبين لاحقاً أنهم غير متخصصين.

وأشار أولياء الأمور إلى أنهم اضطروا لذلك لقلة المراكز المتخصصة في علاج التوحد بالمناطق السكنية، لكن صحة أبنائهم تدهورت وساءت حالتهم أكثر، مبينين أن بعضهم لجأوا إلى القضاء وقدموا شكاوى أمام السلطات الصحية.

وقال أبوصالح وهو أحد أولياء الأمور المتعاملين مع إحدى هذه العيادات لفترة طويلة دون فائدة: للأسف دفعت مبالغ مالية كبيرة ولم ألحظ تحسنا على حالة ولدي. وأضاف أبو صالح: كانت البداية بإعلان تلقته الأم من إحدى صديقاتها التي لديها ابن يعاني من التوحد، واخبرتها بوصول طبيب أردني إلى الكويت يقدم علاجا مناسبا للحالات وعليه تم التقدم له والبدء في علاج الحالة، حيث استقبلنا في أول لقاء بطلب دفع 1600 دينار مقابل 40 جلسة دون أن يدرس الحالة المرضية جيداً.

حنان (أم عمر) وهي ولية أمر طفلة تعاني التوحد، لم تكن ضحية لهذه العيادات، حيث سألت جيداً عنها من الحالات التي جربتها سابقاً، فقالت إن اغلب الضحايا في هذه العيادات هن من الأمهات لرغبتهن في ايجاد تحسن على حالة أبنائهن مقابل أي ثمن.

واسترسلت بالقول «كنت على شفا خطوة واحدة من الدخول والاستماع لتشخيص حالة ابنتي، لكن بحثت عبر الإنترنت عن اسم الدكتور ففوجئت بأن عيادته أغلقت في الأردن لأسباب عدة، وبالتالي لم أقدم على هذه الخطوة، واخترت أن أقدم لها علاجاً آخر من خلال المراكز المتخصصة في البلاد، التي تعتمد نظام الدمج».

ومن جانبها، قالت أم علي: للأسف وقعت ضحية طبيب غير متخصص «له إعلانات على السوشيال ميديا»، ولم أكتشف خداعه إلا بعد ان دفعت له مبالغ كبيرة على أمل أن يعالج ابني المصاب بالتوحد، مبينة أنها تقدمت بشكوى ضده الى الجهات المعنية.

الجهني: لا جدوى من العلاجات غير المعتمدة

ذكر طبيب الأطفال د. عبدالقادر الجهني أن فكرة علاج أطفال التوحد بالأكسجين المضغوط لا تدعمها دراسات رصينة حتى الآن، والبعض يرى أن هذه التقنية العلاجية من شأنها تحسين تدفق الدم للدماغ ومن ثم المساعدة على تحسن حالات التوحد، لكن لم يثبت علمياً صحة هذا الأمر.

وذكر الجهني أن التوصيات العلمية المعتمدة حتى الآن لا تنصح بالعلاج بالأكسجين المضغوط لعدم ثبوت جدواه، وبالتالي لا يجب إضاعة وقت ثمين في مثل هذه العلاجات.

وأشار إلى أن علاج حالات التوحد يحتاج إلى برامج سلوكية وتأهيل حسب كل حالة.

منى القبندي: علاج التوحديين بالأكسجين المضغوط ضرره أكبر من نفعه
قالت استشارية الطب التطوري والسلوكي لدى الاطفال د. منى القبندي، ان استخدام بعض العيادات في الكويت الاكسجين المضغوط لعلاج أطفال التوحد يسبب الضرر لهم أكثر من المنفعة، مبينة أنه «لا توجد دراسات علمية أو معلومات كافية تمكن الأطباء من الاعتراف بهذا النوع من العلاجات ومن ثم اعتمادها لمن يعاني اضطراب طيف التوحد، بل العكس أثبتت الدراسات احتمال تعرض الطفل لمشكلات صحية أخرى».

وأضافت القبندي: هناك قاعدة بيانات طبية تحتوي على الدراسات والآليات المناسبة في الاستخدامات العلاجية والطرق المتبعة مع الحالات المرضية، في حين لم تحتو هذه البيانات على أي من ايجابيات استخدام الأكسجين المضغوط.

وجددت التأكيد أنه لا يوجد علاج أو برنامج شاف لمرض التوحد، ولكن هناك عدة تدخلات تساعد في تخفيف الاعراض والسلوك غير المرغوب فيهما، وتساعد على ممارسة الحياة بشكل طبيعي، وتشمل هذه التدخلات عدة أبعاد منها الدوائية والنفسية والاجتماعية، وعلى الرغم من ان الدراسات لم تستطع التوصل لعلاج محدد لكنها أثبتت فاعلية التدخل المبكر والمكثف، حيث يمكن ان يحدث تغيراً كبيراً في حياة الطفل ومن ذلك استخدام آلية الدمج.

ناصر: لا لاستغلال حاجة أولياء الأمور لعلاج أبنائهم

أكد المرشد الأسري لأسر ذوي الإعاقة قاسم ناصر، أن العلاج المستخدم بالأكسجين المضغوط سواء في الكويت أو دول الخليج، من بعض الأشخاص غير المتخصصين هو استغلال لحرف «الدال» الذي يحصل عليه الأطباء، حيث روّج لهذا النوع من العلاج في بعض الدول العربية وكان الضحايا هم الأسر التي لديها أبناء يعانون «التوحد»، مشدداً على الرفض القاطع لاستغلال أولياء الأمور.

وأضاف ناصر: يستغل البعض حاجة الأسرة لعلاج أبنائها، حيث اعتمدوا على دراسة أو دراستين فقط أُكدت فائدتها من دون وجود نتائج معتمدة او معممة أو مسموح بها، الأمر الذي يجب أن يواجه من خلال رفع مستوى الوعي، علاوة على تأكيد أن طيف التوحد هو نمائي وليس مرضاً يتم علاجه.

المصدر:
القبس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »

Thumbnails managed by ThumbPress

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock