كتاب أكاديميا

أ. سعاد الرومي تكتب: الهندسة الوراثية

 شهد النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين مولد الوراثة الجزيئية Molecular genetics مع اكتشاف الحلزون المزدوج للحمض النووي DNA الذي أعلنه العالمان واتسون وكريك عام 1953 لتوضيح تركيب جزيء DNA بأعتباره مادة الوراثة، حيث تكمن العوامل الوراثية المسؤولة عن الصفات المختلفة للكائن الحي في تتابع القواعد النيتروجينية الموجودة على شريط DNA في النواة.

أعقب ذلك تطورات متلاحقة في الستينيات للتعرف على الأساس الجزيئي لعملية تضاعف جزيء DNA والتركيب الدقيق للجين والنظم الوراثية والبيوكيميائية المسيطرة على معدل التعبير الجيني، ثم توالت الأكتشافات حتى  جاء ميلاد الهندسة الوراثية أو تقنية الجين Gene Technology في منتصف السبعينيات.

وتشكل الهندسة الوراثية Genetic Engineering جزءاً من الثورة البيولوجية الحديثة وهي مرتبطة بمجموعة من التجارب العلمية التي ظهرت حديثاً في مجال البيولوجيا والتي تشمل التحكم بالجينلات والإستنساخ الحيوي وإعادة تركيب DNA (Recombinant DNA).

  ويتم في الهندسة الوراثية  تغييرٌ أو تعديلٌ يقوم به العلماء في المادّة الوراثيّة (الحمض النوويّ DNA  ) للكائنات الحيّة، وتكون إمّا بتغيير ترتيب مكوّنات المادّة الوراثيّة، أو حذف أجزاء منها، أو مضاعفتها، أو إدخال أجزاء من مادّة وراثيّة تعود إلى كائن حيّ آخر إليها  بهدف تعديل خصائص الكائن الحيّ أو تحسينها، مثل: إنتاج أطعمة ذات قيمة غذائيّة أعلى، أو إنتاج بروتين لعلاج مرض معيّن . ويُسمّى الكائن الحيّ بعد إجراء التّعديل على مادّته الوراثيّة كائناً مُعدَّلاً وراثيّاً.

لذا فان الهندسة الوراثية تعني بدراسة الجينات على الخريطة الجينية عن طريق إضافة جين أو مجموعة جينات أو تعطيلها في المادة الوراثية للكائن الحي وذلك لإنتاج صفات مرغوب فيها أولاستبعاد صفات غير مرغوب فيها. فهي تعني بتوجيه إنتاج الخلايا وذلك بالسيطرة على الجينات الحاملة للصفات الوراثية عن طريق غرسها داخل خلايا معينة تؤدي مهمة لم تكن تؤديها أصلاً.

وقد تمت معظم الدراسات الخاصة بمركبات DNA و RNA على البكتيريا والفيروسات لكشف غموض الشفرات الوراثية . وبعد أن تم التعرف على التركيب الكيميائي للجينات وما يحمله كل منها من خصائص تم  تصنيع الجينات معملياً ،مما ساعد على تقدم تقنية الجينات .

 وقد أُجرِيت أوّل تجربةٍ ناجحةٍ على البكتيريا عام 1973م، ثمّ توالت التّجارب بعد ذلك على الفئران، والنّباتات، والثديّيات، وغيرها، وتشمل تطبيقات الهندسة الوراثيّة الكثير من المجالات، مثل: الزّراعة، والأبحاث، والتّكنولوجيا، والطبّ، وغيرها من المجالات المُفيدة .

تتبع الهندسة الوراثيّة الخطوات الأساسيّة الآتية خلال تجاربها :

1- عزل الحمض النوويّ من كائن حيّ يحمل الصّفة الوراثيّة المرغوبة و تحديد الجين المرغوب والعمل على مضاعفته؛ للحصول على نُسَخ عديدة منه.

2-إجراء تعديل على الجين؛ ليُصبح أكثر ملائمةً للكائن الحيّ المُراد تعديله إذا لزم الأمر.

3-إدخال الجين إلى الخليّة المقصودة، ويتمّ ذلك إمّا باستخدام البكتيريا كحاملٍ للجين الجديد، ثمّ حقن البكتيريا في الكائن المُراد تعديله، أو باستخدام بندقيّة الجينات التي تُطلِق جُزيئات مجهريّة بعد تغليفها بالجينات المرغوبة إلى داخل خلايا الكائن الحيّ المُراد تعديله.

4- تكثير الخلايا المُعدَّلة وراثيّاً بالطُّرق التّقليديّة.

شملت الهندسة الوراثيّة مجالات عديدةً في حياتنا، منها:

  • الطّب:

1-إنتاج لقاحات ضدّ بعض أنواع الأمراض: مثل التهاب الكبد الفيروسيّ ، ومرض الهربس البسيط، ومرض الحمّى القلاعيّة في الحيوانات.

2-إنتاج هرمون الإنسولين البشريّ من البكتيريا: بدأ الإنتاج التجاريّ للإنسولين من البكتيريا عام 1982م، ويُعدّ ذلك إنجازاً مهمّاً أنقذ حياة الكثير من البشر؛ إذ كان يُعتمَد سابقاً على استخراج الإنسولين من بنكرياس الخنازير، والأبقار، وهي عمليّة مُكلِفة، ولا تخلو من آثار جانبيّة لدى المرضىمثل مرض الحساسيّة.

3-إنتاج اللمفوكينات: هي بروتينات تُنظّم عمل الجهاز المناعيّ في جسم الإنسان، ومنها: بروتين إنتيرفيرون ألفا؛ الذي يُستخدَم لمكافحة الأمراض الفيروسيّة، مثل: نزلات البرد، والتهاب الكبد، والهربس، وكذلك السّرطان، بالإضافة إلى إنترلوكين 2؛ وهي مادّة تُعزّز إنتاج الخلايا الليمفاويّة، ويجري حاليّاً اختبارها على مرضى الإيدز.

4-إنتاج السّوماتوستاتين: هو هرمون تُفرِزه غدّة تحت المِهاد في مُخّ الإنسان، يُنظّم عمل هرمون النموّ، كان في السابق يتمّ الحصول عليه من الجُثَث البشريّة، ولكنّ تقنية الهندسة الوراثيّة زوّدت العالم بكميّات كافية من هذا الهرمون الذي يُستخدَم لعلاج المُصابين بقصور في النموّ.كما تمّ استخدامه لعلاج مرض نقص المناعة .

5-إنتاج هرمون إريثروبويتين: الذي يُحفِّز إنتاج خلايا الدّم الحمراء لدى المُصابين بفقر الدّم الشديد.

6-إنتاج موادّ تُذيب الجلطات الدّمويّة، وتمنع انسداد الشّرايين؛ للوقاية من النّوبات القلبيّة.

7-إنتاج أجسامٍ مُضادَّةٍ تحتوي عناصر مُشعَّةً، أو سموماً خلويّةً لعلاج مرض السّرطان.

  • الزِّراعة:

1- زيادة إنتاجيّة المحاصيل الزراعيّة، وزيادة مُقاومتها للأمراض، والحرارة، والرّطوبة، وتقليل حاجتها للأسمدة.

2-إنتاج محاصيل قادرة على تثبيت نيتروجين الجوّ، و لا تحتاج إلى تزويدها بالأسمدة.

3-إنتاج محاصيل زراعيّة قادرة على إنتاج بروتينات سامّة للحشرات والدّيدان، مثل: ديدان الطّماطم، وديدان التّبغ.

4-إنتاج محاصيل زراعيّة لا تتأثر بالمبيدات.

5-إنتاج عدّة أنواع من الكائنات الحيّة الدّقيقة التي تُحلّل الموادّ الكيميائيّة السّامة، ويمكن استخدامُها للتخلُّص من الآفات الحشريّة، والكائنات الحيّة المُسبِّبة للأمراض.

6- تحسين نوعيّة محتوى البذور من البروتينات، وكميّته.بنقل جين إنتاج البروتينات الحيوانيّة إلى النّباتات.

7-تحسين قدرة النّباتات على البناء الضوئيّ.

  • الصّناعة:

1- إنتاج كائنات حيّة مُعدَّلةٍ وراثياً، يُمكنها تحويل سكّر السّكروز إلى سكّر الجلوكوز.

2-إنتاج أسمدة زراعيّة رخيصة الثمن من الأمونيا التي تُنتجها البكتيريا، والبكتيريا الزّرقاء المُعدَّلة وراثيّاً.

3- إنتاج ميكروبات لها القدرة على تحويل السّليلوز إلى سكّر، يُمكن استخدامه لاحقاً لإنتاج الإيثانول.

4-مراقبة كفاءة تحلُّل القمامة، والمنتجات النّفطيّة، والنّفثالين، والنّفايات الصّناعيّة الأخرى باستخدام بكتيريا مُعدَّلة وراثياً.

5-إنتاج الطّاقة الحيويّة والوقود الحيويّ: حيث يُمكن تحويل هذا الوقود الحيويّ إلى كحول، أو ديزل، أو نفط، أو منتجات طاقةٍ أخرى.

ويعتبر هذا العلم المتطور أمل الانسانية في معالجة الكثير من الامراض وعلى وجه    الخصوص الامراض الوراثية  و تحسين الاقتصاد العالمي للافضل ، لم يتمتع به من قدرة فائقة على تغيير وتعديل المادة الوراثية في الكائنات الحية للحصول على النتائج المرجوة بنسبة كبيرة.

 

إعداد|

أ. سعاد احمد الرومي

عضو هيئة تدريب- بيلوجيا وتربية

معهد التمريض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »

Thumbnails managed by ThumbPress

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock