حين تهتزّ الأسرة… ترتفع صفّارة الإنذار | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان

لم يعد الطلاق ظاهرة فردية أو مشكلة تخص زوجين قرّرا عدم الاستمرار معًا؛ لقد تحوّل إلى ناقوس خطر يطرق باب المجتمع بأكمله. الأرقام المتصاعدة ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل رسالة واضحة بأن مؤسسة الأسرة — التي كانت يومًا عماد المجتمع وضمانة استقراره — تواجه اليوم هزّة غير مسبوقة.
ارتفاع معدلات الطلاق ليس حدثًا عابرًا، بل انعكاس لخلل فكري وسلوكي وثقافي تسلّل إلى منظومتنا الاجتماعية، وغيّر قواعد الاستقرار الزوجي، وجعل الروابط التي صمدت لعقود طويلة تنهار اليوم عند أول اختبار.
فكيف وصلنا إلى هذه النقطة؟
ولماذا أصبحت الأسر التي كانت تستمر رغم قلة الإمكانات، تتفكك اليوم رغم كثرتها؟
أسرة الأمس… حين كان الصبر قيمة لا شعارًا
في الماضي، وعلى الرغم من محدودية الموارد وضعف الإمكانات المادية، كانت الأسرة أكثر تماسكا وثباتًا. كانت رابطة الزواج تُصان لأنها جزء من نسيج المجتمع، ولأن الثقافة الاجتماعية آنذاك كانت تقدّم “استمرار الأسرة” على “راحة الفرد”.
تربّى جيل الأمس على قواعد راسخة مثل:
«إن أبغض الحلال عند الله الطلاق»،
و«المشاكل ملح الحياة»،
و«الصبر مفتاح الفرج».
كانت الأم مدرسة حقيقية تعدّ ابنتها للحياة الزوجية، وتعلّمها أن الانسجام مع طباع الزوج يحتاج وقتًا وتفهّمًا. وكان الأب يربي ابنه على حسن المعاملة للزوجة ، ويعلّمه أن الزوجة أمانة ومسؤولية.
هكذا تشكّلت منظومة قيمية متينة جعلت الخلاف بداية للحل… لا بوابة للهروب.
أسرة اليوم… إعداد ناقص وتوقعات غير واقعية
رغم وفرة المال وراحة العيش في زمننا، تراجعت القيم التي كانت تحمي الأسرة من الانهيار.
ضعف دور الأم في تهيئة ابنتها للحياة الزوجية، وتراجع دور الأب في غرس قيم الصبر والاحترام، أوجدا جيلًا يدخل الزواج دون مهارات حياتية حقيقية.
لم تعد الفتاة تشارك أمها في إدارة المنزل كما في السابق، فأصبحت تنتقل إلى بيت الزوجية بعقلية “الضيف” لا “الشريك”.
والشاب بدوره يفتقد أدوات الصبر واحتمال المسؤولية، ويبحث عن العلاقة المثالية التي صنعتها الدراما والسوشيال ميديا.
وهكذا، أصبحت التوقعات أكبر من الواقع، والخيال أقوى من الحقيقة، والخلاف البسيط يُفسّر بأنه “عدم توافق”.
تحوّل آخر خطير… من الطلاق كخسارة إلى الطلاق كراحة
من الفروق الجوهرية بين الأمس واليوم أن الطلاق قديمًا كان خسارة للطرفين. المرأة إن طلقت خرجت بأقل مما يملك الزوج، وربما بلا دعم كافٍ.
أما اليوم، فقد تغيّرت الصورة بفعل القوانين الحديثة التي ضمنت للمرأة حقوقها المالية — وهو أمر ضروري — لكنها أدت أيضًا إلى نتائج غير مقصودة.
فالمرأة المطلّقة اليوم تحصل غالبًا على:
نفقة ثابتة
متعة
سائق وخادمة
مسكن مستقل
حرية شخصية أكبر
مما يجعل بعض النساء ينظرن إلى الزواج على أنه التزام وضوابط ومسؤوليات، بينما يبدو الطلاق — في بعض الحالات — أكثر راحة من الناحية النفسية والمادية.
لا نتحدث هنا عن جميع النساء، ولا نتجاهل وجود رجال مخطئين، ولا نغفل الحالات التي يكون فيها الطلاق ضرورة شرعية وإنسانية.
لكن نتحدث عن تحوّل ثقافي جعل الخروج من العلاقة أسهل من إصلاحها، وجعل قرار الانفصال أقل تكلفة من قرار الاستمرار.
لماذا نرفع صفّارة الإنذار؟
لأن استمرار في هذا المسار سيقودنا إلى:
تفكك الروابط الأسرية.
ارتفاع الأعباء الاقتصادية على الدولة.
اضطراب نفسي لدى الأطفال.
تراجع قيمة المسؤولية والالتزام.
انهيار في المنظومة الاجتماعية .
خاتمة… حتى لا نستيقظ على مجتمع بلا جذور
الطلاق — حين يُستخدم في موضعه — حل شرعي، لكنه اليوم أصبح بوابة سهلة للهروب من واجبات لم نعد نحتملها، ومسؤوليات لم نعد نهيئ أبناءنا لحملها.
إن حماية الأسرة ليست شأنًا عاطفيًا ولا قضية اجتماعية فحسب؛ إنها ضرورة وطنية.
فلا يمكن لمجتمع أن يبني اقتصادًا قويًا أو تعليمًا متقدمًا أو مستقبلًا مستقرًا وهو يقف على أرض أسر متصدعة.
ولذلك، علينا أن نعيد الاعتبار للقيم القديمة التي صنعت تماسك أسرة الأمس، وأن نستعيد دور الأب والأم في الإعداد الحقيقي للحياة الزوجية، وأن نغرس في أبنائنا معنى الشراكة والصبر والمسؤولية.
فإذا انهارت الأسرة…
انهار المجتمع وإذا انهار المجتمع انهار معه الوطن كله.
ولعلّ في ارتفاع حالات الطلاق اليوم صفّارة إنذار يجب أن نصغي إليها قبل أن تغرق أصواتنا في صمت الندم.

