من لا يعمل لا يخطئ… لكن الخطأ أن نرفض الإصلاح | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان

النقد ليس خصومة… بل أداة إصلاح
ليس الخطأ أن يسعى أي مسؤول إلى التطوير، أو أن يعمل على تحديث اللوائح والأنظمة وتحسين بيئة العمل داخل أي مؤسسة حكومية. فالعمل يعني الحركة، والحركة قد ترافقها بعض الهفوات، وهذا أمر طبيعي ومتوقع في بيئات اتخاذ القرار. لكن الخطأ الحقيقي هو الإصرار على المضي في طريق غير مكتمل، ورفض مراجعة القرارات رغم وضوح ملاحظات أهل الميدان.
فعندما تُطبَّق لائحة جديدة، أو تُطرح آلية عمل حديثة، فمن البديهي أن تظهر ملاحظات، وأن تكشف التجربة الأولى بعض الثغرات التي لا تظهر في مرحلة التفكير النظري. وهنا يتجلى دور المسؤول الناجح: إما أن يفتح أبوابه ويستمع، أو يبني جدارًا بينه وبين الميدان فيحول النقد إلى خصومة والصوت المهني إلى عداوة صامتة.
“تجاهل صوت الميدان ليس صلابة في القرار… بل وصفة مؤكدة لفشل قادم.”
إن الإدارة الحديثة قائمة على مبدأ التغذية الراجعة (Feedback) الذي يجعل من كل قرار نسخة قابلة للتطوير. فلا توجد لائحة مكتملة من التجربة الأولى، ولا نظام يُفترض أن يستمر بلا مراجعة. فالقوانين ليست غاية، بل أدوات لتنظيم العمل، ومتى تعطلت عن خدمة أهل الميدان فقدت قيمتها مهما كانت نوايا صانعها.
إن أخطر ما يصيب أي مؤسسة هو أن يتحول المسؤول إلى مدافع عن القرار بدل أن يكون مطورًا له. فالقوة ليست في التمسك الأعمى باللائحة، بل في شجاعة إعادة التقييم، وتصحيح المسار، والاعتراف بأن النقد جزء من البناء لا الهدم. فالميدان لا يطلب الامتيازات، ولا يقف ضد التطوير، لكنه يطالب بشيء واحد فقط: أن يكون شريكًا لا متفرجًا، ومصدرًا للمعرفة لا مصدرًا للإزعاج.
إننا اليوم أمام معادلة واضحة:
تطوير دون استماع = فشل إداري مؤجّل
بينما تطوير يستوعب النقد = بناء مؤسسي ناجح ومستدام
والسؤال الذي يجب أن يُطرح دائمًا: لماذا نخشى الاستماع؟ ولماذا نظن أن النقد إساءة؟ النقد — بكل بساطة — هو عين ثالثة ترى ما لا يراه صاحب القرار. ومن يتجاهله اليوم سيضطر لمواجهة نتائج أسوأ غدًا.
لذلك، فإننا ندعو إلى ترسيخ قاعدة إدارية جوهرية في مؤسساتنا:
“اتخذ القرار… طبّق… استمع… ثم صحّح.”
فالمؤسسات لا تُبنى بالصوت الواحد، ولا تنجح بالعناد، بل بالشراكة والمراجعة والتواضع الإداري.




