رحيل الدكتور جاسم محمد ملك… فارس العلم والخلق | بقلم: علي محمد اليعقوب

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقينا نبأ وفاة أخينا وصديقنا وزميلنا الدكتور جاسم محمد ملك، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى بعد صراع مرير مع المرض، نسأل الله أن يكون ما أصابه كفّارة لذنوبه ورفعةً في درجاته.
عرفت الدكتور جاسم عن قرب، في الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال أخيه العزيز الدكتور بدر محمد ملك، حين جمعنا اللقاء في بيتهم العامر في بيتسبرغ في ولاية بنسلفانيا. ومنذ اللحظة الأولى، لفتني فيه نشاطه وحيويته وتفاؤله الذي لا يُفارق محياه، كان دائم الابتسامة، خفيف الروح، يحب المرح ويهوّن الصعب، لا يعرف التعقيد، ويملك قلبًا محبًا للجميع.
ينتمي جاسم إلى أسرة عريقة اشتهرت بالعلم والثقافة والفكر، وقد بذل والداه – رحمهما الله – جهدًا عظيمًا في تربية أبنائهما وتعليمهم، فكان ثمرة هذا الجهد رجالًا شغوفين بالعلم، ساهموا في نهضة التعليم والثقافة في وطنهم
كان د.جاسم مثالاً للثبات والإصرار، لا يعرف اليأس، ولا يرى للمستحيل مكانًا في قاموسه، بدأ رحلته التعليمية بتفوق، حيث تخرج في كلية التربية الأساسية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، ثم واصل مسيرته حتى حصل على الماجستير في التحفيز التربوي، ثم الدكتوراه في فلسفة التربية من جامعة واشنطن، ليعود بعدها مسلحًا بالعلم والخبرة، عاقدًا العزم على خدمة وطنه وأمته.
وفي المجال المهني، لم يكن جاسم مجرد أكاديمي، بل كان قائدًا ومبادِرًا؛ تولى إدارة عدد من المؤسسات التربوية والاستشارية، وأسهم في تأسيس وتطوير مشاريع تعليمية رائدة، بدءًا من عالم المواهب للاستشارات التربوية، مرورًا بـ أجيال التعليمية، ووصولاً إلى إدارته لـ شركة كنزي، وقيادته كرئيس تنفيذي لشركة Fun & فن، التي قدمت برامج ومبادرات ترفيهية وتعليمية متميزة.
كان مولعًا بالتأليف والإبداع، ومن أبرز إسهاماته في هذا المجال: مفكرة صُنّاع النجاح، التي وزعت منها أكثر من مئة ألف نسخة، وكذلك مفكرة الأسرة، وعدد من الألعاب التربوية مثل لعبة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ولعبة الآل والأصحاب، التي دمجت بين التعليم والمتعة وغرست القيم بأسلوب مبتكر.
وقد عُرف – رحمه الله – بدوراته التربوية التي ألقى فيها عصارة علمه وخبرته، ومن أبرزها (دورة المعلم الأسطورة) التي أقامها مع جمعية المعلمين، والتي تركت أثرًا كبيرًا بين التربويين والتربويات، لما تميزت به من فكر متجدد وأدوات تعليمية عصرية.
حضرت جنازته – رحمه الله – وكان المشهد مهيبًا، يسوده الخشوع والسكينة، والقلوب المكلومة بالدعاء له بالرحمة والمغفرة، في ليلة مباركة من ليالي يوم الجمعة. لقد ودّعه الجميع بالدعاء والاستغفار، وترك فينا أثرًا لن يُنسى.
وداعًا يا جاسم…
رحمك الله يا د. جاسم، يا من زرعت الأمل في قلوب من حولك، ووهبت حياتك للعلم والتربية والخير، نعزي أنفسنا ونعزي أسرة آل ملك الكريمة، سائلين الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، وأن يُلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}
علي محمد اليعقوب



