كتاب أكاديميا

عقلية السلطعون | بقلم: أ.مشعل الدويهيس

قـٌصاصات

لاحظ الصيادين الذين يجمعون سرطانات البحر في سلال أو دلاء، أن هذه الكائنات لا يحتاج الصيادين وضع غطاء على الدلاء لمنعها من الهروب، وذلك لأن كل واحد منها يسحب الآخر للأسفل عندما تحاول الخروج، ومن هذه الملاحظة العفوية لذلك السلوك وانتقل هذا المشهد لوصف نمط من السلوك البشري القائم على عرقلة نجاح الاخرين لعدة دوافع منها الشعور بالنقص او الغيرة، انتشر لاحقاً في الثقافة العامة والادب مصطلح “عقلية السلطعون” (Crab Mentality)، وأصبح هذا المصطلح شائع في علم النفس الاجتماعي.

هذه العقلية يتبناها بعض الافراد بموقف سلبي، حين يشاهدون غيرهم يتقدم ويحقق انجاز ملموس، ويقابلون هذا الإنجاز أو النجاح بالسخرية أو التقليل او حتى بث الشكوك، بدلاً من التشجيع والدعم، وهذه السلوكيات تتخذ عدة صور وأشكال، مثل نشر الاشاعات، تثبيط الهمم، والتقليل من قيمة الإنجاز، أو حتى الإحباط غير المباشر من خلال عبارات ظاهرها النصح وباطنها الإحباط.

ترتبط عقلية السلطعون بعدة عوامل وواحدة من أبرز تلك العوامل هي الغيرة الناتجة عن المقارنة الاجتماعية المستمرة، بسبب الشعور بالحرمان النسب وضعف تقدير الذات، فعندما يرى الفرد أن الأخرين يتقدمون وهو ثابت في مكان، يبدأ يشعر ويحس داخلياً بالتهديد، يدفعه ذلك لمحاولة إعادة التوازن الداخلي عن طريق سحب الآخرين لمستواه، دون التفكير بالسعي والارتقاء بذاته ونفسه، وعقلية “الندرة” في هذه المواقف تلعب دور مهم في ترسيخ هذا السلوك، إذ يعتقد الفرد ان النجاح موارده محدودة، وتقدم الآخرين يعني ضرورة تراجعهم هم.

خطورة هذه العقلية تكمن في الاثار الفردية والجماعية سواء، على المستوى المجتمعي، فهي عائق للإبداع والتقدم، ومانعة لتكوين بيئة صحية قائمة على الدعم المتبادل والتعاون، فالمجتمعات التي تنتشر فيها عقلية السلطعون يصعب فيها تحقيق التنمية، لأن أفردها ينشغلون بإعاقة بعضهم البعض بدل من تحقيق النجاح معاً، وعلى المستوى الفردي هذه العقلية تؤدي الى فقدان الثقة بين الافراد، وإضعاف العلاقات الاجتماعية، وخلق بيئة مليئة بالتوتر والشك.

لابد من الاعتراف بإنجازات الآخرين وتعزيز ثقافة التقدير، لمواجهة هذه الظاهرة وغرس قيم التعاون بدلاً من التنافس السلبي، وينبغي على الفرد أن يطور من وعيه بذاته، وعليه يجب ان يدرك أن نجاح الآخرين لا ينتقص من فرصه للنجاح، وإنما يقوم بفتح آفاق جديدة له للنمو والتعلم، والابتعاد عن هذه البيئات التي تتغذى على عقلية السلطعون، والبحث عن محيط وافراد يدعمون ويشجعون على التطور.

ختاماً، تبقى عقلية السلطعون أكثر وصف دقيق وشائع لسلوك إنساني، ولكنه قابل للتغيير بالتأكيد، بنفس القدر الذي يكون فيه الانسان سبب في احباط غيره، يستطيع أن يكون مصدر الهام ودعم، وهذا ما يصنع الفرق الحقيقي في حياة الافراد والمجتمعات.

Insta: @Duwaihees
Email: [email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock