زوج بلا مسؤولية… وزوجة بلا إعداد | بقلم: د. خالد الهيلم الزومان

تعلن الجهات الرسمية في الكويت عامًا بعد عام أرقامًا تُنبّه إلى أن الأسرة تواجه تحديًا بنيويًا حقيقيًا. فبحسب تقارير وزارة العدل، سُجّل في عام 2023 نحو 7,865 حالة طلاق بانخفاض طفيف عن عام 2022 الذي شهد 8,307 حالة، غير أن المنحنى عاد للارتفاع في 2024 ليصل إلى 8,168 حالة، مع تزايد حالات الطلاق في السنة الأولى من الزواج. هذه الأرقام لا تعني أن الخلافات زادت فقط، بل تدل على أن أساس الأسرة أصبح أضعف، وأن مشكلات التربية والإعداد أصبحت أعمق من أن تُعالَج بقرارات محاكم أو جلسات صلح.
المشكلة لا تبدأ في المحكمة، بل تبدأ قبل الزواج.
يدخل شابٌ إلى الحياة الزوجية وهو بلا استعداد لتحمّل المسؤولية، ولا قدرة على الحوار، ولا رغبة في المشاركة.
وتدخل فتاةٌ لم تتعلم إدارة حياة حقيقية: بيت، وأبناء، وتنظيم، وصبر، وشراكة.
فإذا غاب وعي الزوج، وغاب إعداد الزوجة، فكيف يُنتظر من هذه المعادلة أن تُنتج أسرة مستقرة؟
ازدادت الصورة تعقيدًا مع الرفاهية الحديثة. بيوت فسيحة وخدم وحشم، وشباب وفتيات نشأوا مخدومين أكثر مما مارسوا مسؤوليات الحياة اليومية. ولسنا نتحدث عن “الطبخ” بمعناه الضيق؛ فالواقع أن الطبخ اليوم أصبح مشروعًا اقتصاديًا ناجحًا.
فتيات على منصات التواصل يديرن مطاعم منزلية، ويُنشئن حسابات طبخ، ويقدّمن بوفيهات ومنتجات، ويحققن دخلًا وشهرة.
وشباب افتتحوا مطاعم، وأصبح بعضهم طهاة معروفين.
إذن، ليست المشكلة في دخول المطبخ، ولا في مهارة الطهي، بل في الفكرة المشوّهة التي تجعل بعض الفتيات ترى العمل المنزلي إهانة، وترى العمل نفسه خارج البيت مجدًا وفخرًا. بينما الحقيقة أن إدارة البيت فنّ وتنظيم وتربية، وأن وجود خادمة لا يعفي من الإشراف والتوجيه والمسؤولية.
وفي المقابل، هناك رجال يختزلون دورهم في الإنفاق فقط، ناسيين أن القوامة خلق وعدل وقدرة على الاحتواء والحكمة. فالبيت لا يقوم بذكاء امرأة فقط، لكنه أيضًا يحتاج رجلًا رشيدًا يعرف أن القيادة مشاركة لا أوامر.
ولأن البناء مختلّ، جاءت النتيجة: زوج بلا مسؤولية… وزوجة بلا إعداد.
ولقد أدركت العرب قديمًا أن إعداد الزوجة لا يقل عن إعداد الجندي للحرب، أو التاجر للسوق. وفي أجمل ما وصلنا من أدب بناء الأسرة، وصية أُمامة بنت الحارث لابنتها يوم زفافها، قالت فيها:
“أي بُنية، إنك فارقتِ بيتًا خرجتِ منه، وعشًّا درجتِ فيه، إلى وكرٍ لم تعهديه…
فكوني له أرضًا يكن لك سماء، وكوني له أمةً يكن لك عبدًا.”
لم تكن تلك الكلمات ذلًا، بل حكمة:
• بادري بالإحسان… تجدي مقابله إحسانًا
• عامليه بلطف… يعاملك بعطف
• فالبيوت تُبنى بالمودة لا بالتحدي
وإذا كانت الزوجة تُربّى على النضج والصبر، فإن الزوج أيضًا لا يولد قائدًا.
قال النبي ﷺ: “خيركم خيركم لأهله”
ولم يقل أقواكم أو أعلى صوتًا.
القوامة لا تمنحها عضلات ولا أموال، بل أخلاق وقدوة، وإحساس بالمسؤولية.
الرجل الذي يشارك زوجته حياتها، ويحترمها، ويحتويها، هو رجل يحفظ بيته.
والمرأة التي تُدير بيتها بحكمة واحترام، تحفظ أسرتها.
وعندما يؤدي كل منهما دوره، تستقيم الحياة.
لكن أخطر ما ينتج عن هذا الاضطراب الأسري، ليس الطلاق فقط، بل الخوف من الزواج نفسه.
تؤجل الفتاة الزواج خشية الفشل، ويعزف الشاب هربًا من المسؤولية، فيتأخر سن الزواج عامًا بعد عام.
وتُظهر الإحصاءات الرسمية أن عقود الزواج في الكويت تتراوح حول 14 ألف عقد سنويًا، رغم أن عدد السكان متصاعد. ومع تأخر الزواج يقل الإنجاب، ويتباطأ نمو الأجيال، وتختل التركيبة السكانية.
وهذا ليس شأنًا اجتماعيًا فقط، بل قضية وطنية تمس مستقبل المجتمع.
الدول التي تتراجع فيها نسب الزواج والولادات، تتجه نحو الشيخوخة السكانية، كما حدث في أوروبا التي أصبحت تُعرف بـ “القارة العجوز”، بعد أن أصبحت نسبة كبار السن أعلى من نسبة الشباب، ونقصت اليد العاملة، واضطرت الدول الأوروبية إلى استقطاب الشباب من الخارج لتعويض هذا النقص… ومنهم الشباب العربي نفسه.
فهل نستيقظ بعد سنوات لنكتشف أننا أمام أزمة شبيهة؟
مجتمعٌ يشيخ… وشبابٌ يتناقص… وأجيال لا تتلاحق؟
الحياة الزوجية مشروع… لا خدمة.
والبيت شراكة… لا فندقًا.
والأسرة تُبنى بالوعي… لا بالرفاهية.
إذا أردنا بيوتًا مستقرة، ومجتمعًا قويًا، وأجيالًا متتابعة، فعلينا أن نعود إلى الأساس:
• نُعدّ البنات لإدارة بيت وتربية أبناء، لا ليكنَّ ضيفات في منازلهن
• ونُعدّ الأولاد ليكونوا رجالًا مسؤولين، لا أصحاب أوامر
• ونُعيد للجيل فكرة أن الزواج بناء… ومستقبل… وجيل قادم
عندها فقط ستتراجع الأرقام، ويستعيد المجتمع توازنه، لأن الأسرة ستعود إلى مكانتها… نواة الحياة، ومصنع القيم، وعمود الأمة.



